• الوزير جنتي

الوزير جنتي في المائدة المستديرة الوزارية تحت عنوان« تعزيز الحقوق الثقافية في العالم الإسلامي لخدمة الحوار والسلام: الحديث عن الحقوق الثقافية يرتبط بفهمنا لمعنى الثقافة وإذا فهمنا الثقافة بأنها منظومة إحياء الإنسان والمجموعة الإنسانية من أجل أن تمارس دورها في الحضارة الإنسانية فإن الحقوق الإنسانية تعني حق الحياة وحق الحركة نحو ممارسة الدور الحضاري على ظهر الأرض


انعقد في المدينة المنورة خلال الفترة من 20-22 ربيع الأول 1435هجرية / 21-23 يناير 2014 ميلادية المؤتمر الإسلامي الثامن لوزراء الثقافة تحت عنوان: «من أجل تعزيز الحقوق الثقافية في العالم الإسلامي لخدمة الحوار والسلام» وتضمن المؤتمر انعقاد مائدة مستديرة وزارية تحت عنوان: « تعزيز الحقوق الثقافية في العالم الإسلامي لخدمة الحوار والسلام» وقد أعد الوزير جنتي مداخلة هذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحديث عن الحقوق الثقافية يرتبط بفهمنا لمعنى الثقافة وإذا فهمنا الثقافة بأنها منظومة إحياء الإنسان والمجموعة الإنسانية من أجل أن تمارس دورها في الحضارة الإنسانية فإن الحقوق الإنسانية تعني حق الحياة وحق الحركة نحو ممارسة الدور الحضاري على ظهر الأرض.

والإسلام جعل تحقيق هذا الحق هدف دعوة السماء: > يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ<. هذا الفهم الإسلامي للحقوق الثقافية يدفع بطبيعته الإنسانية إلى الحوار والسلام. لأن الإحياء لابد أن يصاحبه التخلص من الذاتيات والأنانيات ليخرج الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة الآلهة المزيفة إلى عبادة الواحد الأحد المطلق سبحانه. ومَنْ تخلّص من هذه الآلهة أو من الطاغوت بالتعبير القرآني، فإنه ينفتح على الآخر ويسمع منه انظر إلى الانسجام الواقع بين الآيتين في قوله تعالى: > وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ <.

ثم إن الإحياء يصاحبه التوجه إلى الماء الذي يروي ظمأ الإنسانية لا إلى السراب الذي> يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ< . والإحياء يقترن بالابتعاد عن خطوات الشيطان وعوامل الإضلال ومن ثم يؤدي إلى السلام : >يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ <. والإحياء قرين العزّة، فالإنسان العزيز حيّ والذليل ميت وهكذا المجموعة الإنسانية، ولذلك كانت العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين. الحقوق الثقافية للمسلمين تستدعي أن يفهم المسلم دوره الكبير على ظهر هذه الأرض وبذلك يتّسع صدره للآخر ليحاوره وينظر إلى الآخر بأنه كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».

هذه الحقوق الثقافية تتعرض في العالم الإسلامي اليوم إلى تحديات تبعدها عن ممارسة دورها في الحوار والسلام. أول هذه التحديات الاستعلاء الغربي. فالغرب يقيم علاقته مع العالم الإسلامي على أساس الغالب والمغلوب، والفكر الغربي يقوم عمليًا على الاستهانة بكل ما يمتّ إلى الإسلام بصلة. ويقوم نظريًا على أساس التقسيم الاوغست كونتي أي تقسيم العالم إلى مرحلة الخرافة والميتافيزيقيا والعلم، ويرى العالم الغربي أنه دخل وحده في مرحلة العلم، وغيره ــ ومنه العالم الإسلامي ــ متخلف لا يحقّ أن تكون له مكانة في الساحة العالمية. وما يذكره فوكوياما في «نهاية التاريخ والإنسان الأخير».

من أن نهاية العالم هي الليبرالية الديمقراطية يسير في هذا الاتجاه، وما يشهده العالم الإسلامي المعاصر من مآسٍ تزيد هذا المفهوم رسوخاً في ذهن الرأي العام الأوربي. والاعلام الغربي ومراكز استشراقه تحاول تركيز هذه المفاهيم لدى المسلمين وبذلك تؤدّي إلى نوعين من ردود الفعل كلاهما مسيء إلى الحوار والسلام.

ردّ الفعل الأول: الهزيمة النفسية أمام الغرب والاصطدام بالاصالة والهويّة وثقافة المجتمع، وهذا ما عانته المجتمعات الإسلامية في العقود الماضية تجلّت في المعارك الضارية بين ما يسمى بالمجددين والمحافظين، وما جرّ ذلك من بلبلة فكرية واضطرابات اجتماعية وانعدام للحوار.

وردّ الفعل الثاني: يتجلّى استثارة عداء وحقد تجاه الغرب يتجه أحيانًا إلى ممارسة العنف والتدمير بحق كل ما هو غربي أو ماله ارتباط بالغرب. وهذا الثاني أكثر خطرًا على الحوار والسلام في العالم. من هنا لابدّ من العمل أولاً على تصحيح صورتنا أمام الغرب، وثانيًا الدخول مع النخب المثقفة الغربية في حوار جاد لتغيير روح الاستعلاء والاستهانة بالآخرين السائدة في بلدانهم. والثاني من هذه التحديات أمام الحقوق الثقافية سلبيات الموروث التاريخي.

فالتاريخ الإسلامي المشرق لم يخل من صفحات سوداء تمثلت في الصراع القومي والطائفي، ولأسباب يحلو للبعض أن يضخّم هذه النقاط السوداء، والبغضاء ويفسح المجال لأعداء الأمة أن ينفذوا منها للطعن في هوية الأمة وشخصيتها الثقافية، فتثار بين آونة وأخرى زوبعة عنصرية أو طائفية، وتنعكس في الإعلام، بل وحتى في الكتب الدراسية التاريخية وتاريخ الأدب، وتهدد الحوار والسلام والوئام بين الشعوب الإسلامية.

ومن التحديات الأخرى التي تواجه الحقوق الثقافية للمسلمين العمليات المكثقة لتذويب هوية الإنسان المسلم وشخصية الإنسانية.. فالتشكيك في القرآن الكريم وفي نبوة الرسول الخاتم وفي التاريخ الإسلامي برمته قائم على قدم وساق. ثم تسليط عواصف هو جاء من الإثارة الجنسية تجاه العالم الإسلامي، وهي عملية مدروسة هدفها إبعاد المسلمين عن أهدافهم الإنسانية وإيقاعهم في مستنقع الرذيلة.

وهذه الظاهرة مشهودة بوضوح في الشبكة العنكبوتية وشبكات التواصل الاجتماعي وكثير من الفضائيات. وهي تشكل تهديدًا لتوازن الشخصية الإسلامية وتعادلها وتحولها إلى آلة طيّعة بيد الأعداء يستعملونها متى ما أرادوا ضرب مصالح الأمة. من كل ما تقدم نرى أن وزارات الثقافة والمؤسسات الثقافية والإعلامية في عالمنا الإسلامي تتحمل في هذا المجال المسؤوليات التالية:

1 – تأصيل مفهوم الثقافة والحقوق الثقافية، ونشر ذلك بصورة واسعة بين المواطنين، وخاصة عن طريق الكتب الدراسية، كي يفهم أبناء أمتنا حقهم في صنع مستقبلهم الأفضل.

2- إشاعة مفهوم الإحياء والسعي لإنزاله عمليًا إلى ساحة الممارسات السياسية والإعلامية والاقتصادية والثقافية.

3- الدخول مع العالم الغربي وخاصة مع النخب المثقفة في حوار جادّ لإزالة أو لتخفيف حدة النظرة السلبية والاستعلائية تجاه العالم الإسلامي.

4- السعي الجاد لتثبيت مفاهيم الأمة الإسلامية الواحدة، ووحدة الدائرة الحضارية الإسلامية من أجل إزالة أو تخفيف الحساسيات القومية والطائفية بين المسلمين.

5- نشر قيم الإسلام في الاخوة والمحبّة والتعايش والتسامح والحوار وسائر القيم التي تجنّب المسلمين الوقوعَ في كارثة انعدام الحوار والسلام. في الختام أشير إلى أن الحقوق الثقافية تستدعي القيام بواجبات وعلى رأسها صيانة كرامة الإنسان واحترام مقدساته وتنمية مواهبه وتوفير فرصة استثمار طاقاته الإنسانية. وبالله التوفيق.

علي جنتي

وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي

في الجمهورية الإسلامية الإيرانية