• الوزير جنتي في المؤتمر الإسلامي الثامن لوزراء الثقافة

الوزير جنتي في المؤتمر الإسلامي الثامن لوزراء الثقافة الذي انعقد تحت عنوان «من أجل تعزيز الحقوق الثقافية في العالم الإسلامي لخدمة الحوار والسلام» : إن ما تسعى إليه الجمهورية الإسلامية منذ قيامها هو إحلال هذه القيم الإنسانية في ربوعها وفي علاقاتها مع الدول الإسلامية ودول العالم

انعقد في المدينة المنورة خلال الفترة من 20-22 ربيع الأول 1435هجرية / 21-23 يناير 2014 ميلادية المؤتمر الإسلامي الثامن لوزراء الثقافة تحت عنوان: «من أجل تعزيز الحقوق الثقافية في العالم الإسلامي لخدمة الحوار والسلام» في هذا المؤتمر ألقى الوزير جنتي كلمة هذا نصوها:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين ومن اتبعهم باحسان إلى يوم الدين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: > هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ <.

السيد الرئيس السادة الوزراء الحضور الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أتقدم أولاً بالشكر لمنظمة الايسيسكو على مساعيها لإقامة المؤتمر الإسلامي الثامن لوزراء الثقافة، وأثمّن جهودها وجهود الدول الأعضاء في تحقيق أهداف الاستراتيجيات الثقافية، وكما أكدنا سابقًا فإن الجمهورية الإسلامية على استعداد كامل لدعم تنفيذ مفاد هذه الاستراتيجيات وأهداف المؤتمرات، خاصة هذا المؤتمر الذي يُعقد لتحقيق هدف نصبو إليه جميعًا وهو «تعزيز الحقوق الثقافية في العالم الإسلامي لخدمة الحوار والسلام».

كما أن انعقاده في منبثق عزّتنا وكرامتنا وهويّتنا أعني المدينة المنوّرة سيمنح هذه الدورة زخمًا مضاعفًا للحركة نحو تحقيق الآمال المرجوّة.

أيها السيدات والسادة إننا في مدينة المجتمع الإسلامي الأول حيث قام على أساس التعليم والزكية وفي محلّ نزول الكتاب والميزان أساس التعليم والتزكية وفي محلّ نزول الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وفي الرَّبع الذي انبثقت أمّة شاء الله لها أن تكون أمة (وسطًا) وليكون أفرادها (شهداء) على الناس ويكون (الرسول) عليهم شهيدًا.

لقد تكوّن في هذه المدينة مجتمع أهمّ خصائصه تكريم الإنسان وصيانة حُرُماته ودفعه على طريق الكمال المادّي والمعنوي ليصنع حضارة فريدة في تاريخ البشرية بشموليتها وإنسانيتها ودعوتها إلى تعارف الذكر والأنثى وتعارف الشعوب والقبائل، أي إلى التبادل المعرفي بين الأجناس البشرية. وعلى هذا الأساس يأتي سائر ما دعا إليه القرآن الكريم من إبرام عقد الأخوّة بين المؤمنين ومن النهي عن النزاع والتفرّق والتنابز بالألقاب والاغتياب، ومن دعوة الآخر غير المسلم إلى (كلمة سواء) ومن الدخول في (السلم) كافة.

أيها الحضور الكرام إن ما تسعى إليه الجمهورية الإسلامية منذ قيامها هو إحلال هذه القيم الإنسانية في ربوعها وفي علاقاتها مع الدول الإسلامية ودول العالم، وفي هذا السياق تأتي دعوة السيد رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور حسن روحاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن إيجاد عالم خال من العنف والتطرف وهو ما حظي بتأييد كل الدول الأعضاء سوى نظام العدوّ الصهيوني.

وفي هذا السياق أيضًا جاءت من قَبلُ مساعي إيران في حقل التقريب بين المذاهب الإسلامية والدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية، والدعوة إلى حوار الحضارات والثقافات والأديان والدعوة إلى إقامة الحضرة الإسلامية الحديثة.

وإدانة أعمال الإرهاب والظلم التي تتعرض لها الشعوب. وما تسعى إليه بلادي في حقل تنفيذ الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي روحًا ونصًا هو باختصار:

1 – إشاعة المفهوم الصحيح للثقافة وتطبيقه لإبعاد هذا المفهوم عن معناه السطحي الفلكلوري، وإعادة الروح إليه باعتباره الطاقة المحركة للفرد والجماعة على طريق الانتاج الحضاري الإسلامي. فالمفهوم الذي نتابعه في الثقافة هو كل ما يرتبط بإحياء الفرد والأمة من أجل ممارسة دور الخلافة على ظهر الأرض. وهو الهدف من دعوة الله ورسوله إلى البشرية: > يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ <.

2- الاهتمام بايقاظ الشعور عن طريق الفنّ الإسلامي الأصيل والآداب الإنسانية الأصلية. ومن هنا يأتي اهتمام وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي وجميع المؤسسات الثقافية في الجمهورية الإسلامية بالسينما والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى والشعر وسائر فنون الأدب لتكون عامل إيقاظ للروح والشعور، إيماناً منا بأن الحركة الحضارية لكل أمة يجب أن تبدأ من استيقاظ شعورها. ونشكر الله أن قطعنا في هذا المضمار خطوات في تأصيل الفن ورفع مستوى كفاءته ليحصد الجوائز العالمية مع المحافظة على أصالته الإنسانية الإسلامية.

3- الاهتمام بترجمة الكتب القيمة العالمية وخاصة الكتاب العربي بل وطباعة الكتاب العربي في إيران، ويبلغ عدد عناوين الكتب العربية المنشورة سنويًا في إيران بعدد أيام السنة، أي بمعدل كتاب واحد لكل يوم. وذلك من أجل التأكيد على وحدة الدائرة الحضارية الإسلامية.

4- الاهتمام بنفض الغبار عن التراث العلمي الإسلامي، وإحيائه، فهناك في المكتبات الإيرانية مئات الآلاف من المخطوطات العلمية المدونة غالبًا بالعربية في الطب والفلك والهندسة والزراعة وغيرها من العلوم، وقد نهضت مؤسساتٌ وجامعاتٌ إيرانية لإحياء هذا التراث واستخراج مافيه من معلومات تفوق أحيانًا ما توصلت إليه العلوم الحديثة، وخاصة في الطب والضوء والريّ، وهي نهضة لها قيمتها في التأكيد على الأصالة وعلى زرع الثقة بتاريخ الحضارة الإسلامية، ثم إنّ وزارة التربية والتعليم اهتمّت في كتب تدريس الفيزياء والكيمياء والرياضيات بدرج أسماء هؤلاء العلماء ونظرياتهم العلمية في الكتب الدراسية إلى جانب الدراسات الحديثة. ولا يخفى ما لهذه العملية من آثار نفسية كبيرة على زرع الثقة ومكافحة الهزيمة في نفوس الطلبة.

5- الاهتمام بشخصية المرأة وهويتها الإنسانية وثقافتها الإسلامية مما فسح لها المجال لأن تدخل الساحة الاجتماعية والعلمية والفنية والسياسية والاقتصادية والرياضية مع المحافظة على كرامتها وشخصيتها الإنسانية، وأن ترتفع في مستوى ثقافتها لتكون باحثة وأستاذة جامعية ومخرجة سينمائية ومؤلفة وأديبة وناقدة، وقضية المرأة كانت من التحديات الهامة في الجمهورية الإسلامية بسبب ممارسات التذويب والتغريب التي نزلت بحقّها من قبل، ولكنّ معجزة إسلامية تحققت في إيران ندعو المسلمين إلى دراستها دراسة نقدية موضوعية لبلورة هذه التجربة الثقافية التي قد تكون فريدة من نوعها.

6- الاهتمام بتنشئة الطفل تنشئة تحافظ على هويته الإنسانية وتبعده عن موجة الابتذال التي تريد أن تخترق الطفل المسلم عن طريق الالعاب الكامبيوترية. وكان لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي دور في إقامة مهرجانات الألعاب الكامبيوترية الخاصة بالأطفال، وكان الإقبال عليها عظيمًا بسبب مستواها التقني والترفيهي إلى جانب محتواها التعليمي والتنموي.

7- لابدّ أن أشير أيضًا ونحن نتحدث عن الشأن الثقافي الداخلي إلى اهتمام إيران عامة ووزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بشكل خاص بأمر القرآن الكريم، فهو الرابط الثقافي الأهم بين أبناء الأمة. والوزارة لها معاونية خاصة يشرف عليها وكيل الوزارة لشؤون القرآن والعترة مهتمة بالقرآن الكريم قراءة وحفظًا ومفهومًا وترجمة للمعاني على مستوى البلاد بأجمعها، اضافة إلى الدراسات القرآنية المتخصصة والفنون القرآنية. حتى القرى والأرياف النائية تمتدّ إليها المراكز القرآنية لترسيخ أهم معالم الوحدة الثقافية في النفوس. وهكذا لابد من الإشارة إلى اهتمام الجمهورية الإسلامية باللغة العربية على مستوى التدريس الثانوي استنادًا إلى نص الدستور الإسلامي، والاهتمام أيضًا على المستوى الجامعي، وأغلب الجامعات لها فروع في تدريس العربية لدرجة الماجستير والدكتوراه، وهكذا الاهتمام بنشر الصحف والمجلات العربية والإذاعات والتلفزيونات الناطقة بالعربية، وانشاء المراكز العلمية لأساتذة اللغة العربية وللنقد الأدبي العربي.

8- وعلى الصعيد الخارجي كان الاهتمام بالتعاون الثقافي مع العالم الإسلامي على رأس اهتمامات الجمهورية الإسلامية منذ قيامها. فقد اهتمت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بانشاء المراكز الثقافية في بلدان العالم عامة وبلدان العالم الإسلامي بشكل خاص من أجل التعارف الثقافي والتبادل الثقافي، ولأهمية هذه العلاقات أنشئت رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية لتتولى مسؤولية مراكزنا الثقافية في الحواضر العالمية والإسلامية.

9- إقامة الأسابيع الثقافية الإيرانية في العالم وفي العالم الإسلامي بشكل خاص، والمشاركة في مهرجانات العواصم الثقافية الإسلامية بل والعربية أيضَا، والارتفاع بمستوى هذه المشاركات لتكون متناسبة مع فهمنا لمعنى الثقافة والتعارف الثقافي، وطباعة كتب بهذه المناسبات لتوسيع مستوى التعارف الثقافي.

10- عقد الاتفاقيات الثقافية مع بلدان العالم بهدف تطوير التعامل الثقافي المثمر في حقل الفنون والآداب مما يساعد على إحلال التفاهم وتأليف القلوب وتثبيت أسس المحبة والسلام بين شعوب العالم.

11- المساهمة الجادّة في اتحاد إذاعات وتلفزيونات العالم الإسلامي واتحاد الكتاب والناشرين في العالم الإسلامي واتحاد الجامعات الإسلامية و... إيمانًا منا بأن كل تجمّع ثقافي مهني إسلامي يستطيع أن يكون مقدمة لاتحاد العالم الإسلامي، وإيمانًا منا أيضًا بأن مشتركات العالم الإسلامي وجذور ارتباطه التاريخي تفوق بكثير تلك التي عليها بلدان الاتحاد الأوربي.

أيها الإخوة والأخوات إن الظروف التي يمرّ بها العالم الإسلامي تتطلب منّا جميعًا تأييد الفتوى التي صدرت عن مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة عشر والحادية والعشرين الداعية إلى الحوار المذهبي والتقريب بين المذاهب، والوحدة الإسلامية واحترام مقدسات المسلمين ومنع التكفير والعنف والتطرف، واتخاذ موقف جاد من تلك الفتاوى التي تحل دماء المسلمين وتكفّرهم أو التي تسيء إلى أهل بيت رسول الله وصحابته الكرام وأئمة المذاهب الإسلامية.

فهي مسؤولية ثقافية دينية بامتياز. أيها الحضور الكرام إن التكفير وما يستتبعه من سفك دماء ودمار أصبح في أيامنا هذه ظاهرة خطيرة تصادر الحوار وتهدد الأمن والسلام وتنتهك كرامة الإنسان، وتسيء أيّما إساءة إلى سمعة الإسلام والمسلمين في العالم، فالمرجو من مؤتمركم الموقر أن يتخذ موقفا حازمًا واضحًا في إدانة هذه الظاهرة المؤلمة المخجلة التي تتعارض بشدة مع أبسط المباديء الإسلامية، وتتنافى مع روح مؤتمرنا هذا الذي يستهدف ترسيخ مباديء الحوار والسلام.

ثم إن ما يمرّ به العالم الإسلامي يتطلب التأكيد على ضرورة التوجه نحو إقامة الحضارة الإسلامية الحديثة واتحاد العالم الإسلامي، فهذه الأهداف الكبيرة تستطيع أن تضع الأمة أمام مسؤولياتها الكبرى وتقيها من السقوط في الصغائر ومن استثارة الخلافات البسيطة والتوافه.

وبعد فإنّ الظروف الصعبة التي يمرّ بها العالم الإسلامي، تحمل فيما تحمل خشية نسيان قضيتنا الكبرى، وهي القضية الفلسطينية، فلابد من إنعاش الذاكرة باستمرار تجاه هذه القضية، خاصة وإن إعلان الأمم المتحدة بشأن تخصيص هذا العام لفلسطين يوفر فرصة أكبر لأداء مهمتنا تجاهها على الساحة العالمية.

وأخيرًا لابدّ من التأكيد على ما أكد عليه قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام الخامنئي من أن الثقافة لا يجوز أن يُنظر إليها نظرة هامشية، إذ قال ليست الثقافة تقع على هامش الأمور الاقتصادية والسياسية بل أن الأمور الاقتصادية والسياسية تقع على هامش الثقافة.

فالثقافة مشروع صنع الإنسان الذي يرسم السياسة والاقتصاد، وإذا صلحت الثقافة فإن كل الشؤون الأخرى تتجه إلى خدمة (الإنسان). في الخاتمة يفرض عليّ الواجب أن أشكر المملكة العربية السعودية لاهتمامها بإقامة هذه الدورة من المؤتمر الإسلامي لوزارء الثقافة، وعلى ما شملتنا به من حسن الاستقبال وكرم الضيافة والاعداد الجيّد لإقامة المؤتمر سائلاً الله سبحانه أن يخرج بنتائج تركز عملية الحوار والأمن والسلام في ربوع عالمنا الإسلامي وتعدّ المقدمات الضرورية لاستعادة مكانة أمتنا الحضارية بين أمم الأرض. >وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ <.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

علي جنتي

وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي

في الجمهورية الإسلامية الإيرانية