• الوحدة الحج - بديع الزمان سعيد النورسي

 

كردي الأصل تركي النشأة عربي بل إسلامي الثقافة، ولد في قرية «نورس» شرقي تركيا سنة 1293هـ درس العلوم الإسلامية وحذق فيها، واتجه نحو العلوم الحديثة، فأصبح أصيلاً في فكرة واسعًا في تطلعاته، ولقب بديع الزمان لذكائه وذاكرته الفذّة. وننقل ما كتب عنه وعن دعوته إلى الإتحاد الإسلامي.
طلب من السلطان عبد الحميد الثاني وخلفه السلطان رشاد إنشاء جامعة إسلامية في شرقي الأناضول على غرار جامعة الأزهر تدعى «مدرسة الزهراء» تجمع بين دراسة العلوم الإسلامية والعلوم الحديثة، الا أن نشوب الحرب العالمية الأولى حال دون تحقيق رغبته. وفي أثناء الحرب قاد فرق «الأنصار» المتطوعين ضد الروس، وعلى الرغم من ذلك لم ينس واجبه الأساس وهو«خدمة القرآن الكريم» اذ ألف تفسيره المسمى إشارات الاعجاز في مظان الايجاز باللغة العربية في ساحات الجهاد.
وفي إحدى المعارك جرح جرحًا بليغًا فوقع أسيرًا بيد الروس وسيق إلى معتقلات الاسر في سيبيريا، وظل فيها سنتين وأربعة أشهر، وحُكم عليه بالإعدام لموقفه الجريء من القائد العام الروسي، إلا أن العناية الالهية أدركته في اللحظات الأخيرة، وتخلّص من الاعدام. ثم أدركته هذه العناية ثانية، فتمكن من الفرار إلى ألمانيا فالنمسا فاسطنبول، وهنالك عين عضوًا في «دار الحكمة الإسلامية» وبدأ في التأليف ونشر نحوًا من أحد عشر مؤلفًا باللغة العربية تدور جميعها حول الأركان الإيمانية.
وعندما دخل الانكليز«اسطنبول» في مارس سنة 1920م بعد أن خسرت الدولة العثمانية الحرب، قام النورسي ضدهم وألب الناس عليهم وألف كتابه الخطوات الست في رد مكائدهم، واشترك بقلمه ولسانه في «حرب الاستقلال» لمقاومة المحتلين. وبعدها تغلّب الشعب التركي عليهم ونال حريته وتأسس أول برلمان نيابي، ألقى فيه بيانًا رائعًا حثهم فيه على التمسك بمباديء الإسلام. ولكن ما إن رأى أن الآخذين بزمام الأمور اتجهوا إلى الغرب اتجاهًا كاملاً واستبدلوا الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وأحدثوا بدعة أذان بالتركية وغيرها من الأمور المنافية للإسلام حتى استقر رأيه مجافاة السياسة كليًا والانصراف إلى التأليف للحفاظ على عقائد الامة ومثلها وقيمها. فأخذ يؤلف منذ سنة 1926م مستمدًا من فيض القرآن الكريم رسائل تنوف على المئة والثلاثين رسالة سماها رسائل النور طوال سنوات عمره التي قضاها بين النفي والتشريد والسجن والتي تزيد على ربع قرن.
وهذه الرسائل تقع في آلاف الصفحات مقسمة على أربعة اقسام رئيسة هي: الكلمات، والمكتوبات، واللمعات، والشعاعات، فضلا عن الرسائل الملحقة بها، وهكذا ظل الأستاذ النورسي دؤوبًا في خدمة القرآن الكريم والإيمان بالتأليف والتوجيه إلى أن وافته المنية في 26 رمضان المبارك سنة 1379هـ الموافق 23 مارس 1960م. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن دينه خير الجزاء.

من حكم الحج
وننقل ما أورده الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي ضمن منظومته الفكرية الداعية إلى وحدة المسلمين ويقظتهم يقول:
«إن إهمال الحكمة العظيمة الكامنة في فريضة الحج لا تجلب المصيبة العظمى وحدها، بل ينزل الغضب الإلهي والقهر الرباني أيضًا. ولم يكن جزاء ذلك الإهمال ونزول تلك المصيبة تكفيرًا للذنوب بل كان تكثيرًا لها.
نعم، إن إهمال حكمة الحج ولاسيما التعارف بين المسلمين وتوحيد أفكارهم وإهمال ما يتضمنه الحج من سياسة إسلامية رفيعة ومصلحة اجتماعية واسعة تشمل التعاون والمشاركة في الأعمال والسعي الجاد. أقول إن هذا الإهمال أدّى إلى أن يهيئ العدو وسطًا ملائمًا لضرب المسلمين بعضهم ببعض.
فها هي بلاد الهند، قد قتلت أباها ظنًا منها أنه العدو. هي واقفة على رأس المقتول يصرخ ويولول.
وهؤلاء التتار والقفقاس قد عاونوا على قتل والدتهم المسكينة. وأدركوا ذلك بعد«أن قضى الأمر» . فهم يبكون وقوفًا على قدم الجنازة.
وهؤلاء العرب، قتلوا خطأً أخاهم البطل، ولا يدرون ما يفعلون.
وهذه أفريقا، قد قتلت شقيقتها دون علم منها، وهي الآن تدعو بالويل والثبور.
وهذا العالم الإسلامي قد عاون، غافلاً دون علم منه، على قتل إبنه الذي رفع راية الإسلام، فها هو الآن يصرخ ويستغيث كالام الرؤوم الفاقدة لوحيدها.
نعم إن ملايين المسلمين بدلاً من ان يشدّوا الرحال إلى الحج الذي هو الخير المحض، انساقوا في سياحة طويلة وسفر بعيد ثمة حكمة عظيمة لفريضة الحج هي«الشورى» الجارية في نطاق واسع بين المسلمين عامة ولمرة واحدة في السنة حفاظًا على سلامة العالم الإسلامي واستقلاليته.
وجاء في مقالة نشرها بديع الزمان في سنة 1909:
«إن أوجب الفرائض في هذا الوقت هو الوحدة الإسلامية، وهدف هذه الوحدة وقصدها تحريك الرابطة النورانية التي تربط المعابد الإسلامية المنتشرة والمتشبعة، وإيقاظ المرتبطين بها بهذا التحريك، ودفعهم إلى طريق الرقي بأمر وجداني».

السبيل إلى الأمن والسلام
أرسل بديع الزمان رسالة إلى المسؤولين تنبيهًا لهم أن الوحدة الإسلامية هي العلاج الوحيد تجاه الإرهاب والفوضى، وذلك في عهد حكومة الحزب الديمقراطي.
فيقول: «إنه لا يصمد أمام هذا الدمار الرهيب إلا وحدة المسلمين المنبثقة من حقائق القرآن. فمثلما تكون هذه الوحدة وسيلة لإنقاذ البشرية من بلاء الفوضى والإرهاب فإنها تنقذ هذه البلاد أيضًا من سيطرة الأجانب وتنجي الأمة من مغبة الإرهاب، بل لا منقذ لها إلا هذه الوحدة».

نبذ الخلافات الداخلية
ثم إن بديع الزمان سعيد النورسي يأسف أشد الأسف لبقاء الاختلاف في بعض أجزاء العالم الإسلامي رغم الدوافع التي تدفع المسلمين إلى الوحدة ضمن شروط العالم الحاضرة . فيقول:
«مرض اجتماعي خطر وحالة اجتماعية مؤسفة أصابت الأمة الإسلامية يدمى لها القلب:
إن أشد القبائل تأخرًا يدركون معنى الخطر الداهم عليهم، فتراهم ينبذون الخلافات الداخلية، وينسون العداوات الجانبية عند إغارة العدو الخارجي عليهم.
وإذ كانت تلك القبائل المتأخرة يقدّرون مصلحتهم الاجتماعية حقّ قدرها، فما بال الذين يتولون خدمة الإسلام ويدعون إليه لا ينسون عداوتهم الجزئية الطفيفة فيمدون بها سبل إغارة الأعداء عليهم؟! فلقد تراصف الأعداء حولهم وأطبقوا عليهم من كل مكان. إن هذا الوضع تدهور مخيف، وانحطاط مفجع، وخيانة بحق الإسلام والمسلمين».

الاتفاق بين الجماعات الإسلامية
من شروط تحقّق الوحدة الإسلامية هو اتخاذ الجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي الضرورات الدينية أساسًا لمنهجهم وعدم جعل المسائل الفرعية والمسلكية موضع خلاف ونزاع.
يوضح بديع الزمان سعيد النورسي هذا الأمر ويؤكد عليه أثناء إجابته على سؤال، فيقول:
«سؤال: كيف السبيل إلى وضع حد للاختلافات الموجودة في العالم الإسلامي؟
الجواب: أولا النظر إلى المقاصد العالية المتفقة عليها، لأن: ربنا واحد ورسولنا واحد، وقرآننا واحد. فنحن متفقون في الضروريات الدينية.
أما التفاوت والاختلافات في الفرعيات أو نوع التلقي أو كيفية الفهم الذي هو غير الضروريات الدينية فلا يزعزع هذه الوحدة والاتحاد، بل حتى لا يرجح عليها.
فاذا ما اتخذت القاعدة الأساسية«الحب في الله» دستورًا، وأصبح عشق الحقيقة حاكمًا في أعمالنا – والذي يساعده الزمان – فإن الاختلافات يمكن أن تساق إلى مجرى صائب».