• الحج -محمد محمد المدني

 

يصدر هذا العدد ... وأفئدة المسلمين في كل شعب تهوي إلى وفد الله من الحجاج والعمار والزوار، أولئك الذين سمعوا رنين الأذان الذي صدع به رسول الله إبراهيم، تلبية لأمر الله عزوجل حيث يقول: ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾.
لقد سَرَت هذه الدعوة في أعماق التاريخ مسرى الدماء، من الآباء إلى الأبناء، حتى جاء خاتم النبيين فقررها بأمر الله ركناً من أركان دينه الحنيف، وجعلها شعيرة مفروضة إلى يوم الدين: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
إن أركان الإسلام كلها توحي بوجوب التضامن والالتفاف حول غرض شريف واحد: فالشهادتان هما قلب الإيمان وأساس التوحيد والوحدة، وعنوان اتفاق كلمة المسلمين على أنه ليس لهم إلا إله واحد، ورسول واحد. والصلاة تطبيق روحي لهذا الإيمان، لأنها اتجاه إلى الله، وحمد له، ودعاء لرسوله وآل رسوله وعباد الله الصالحين. والصوم مظهر من مظاهر إيثار الإله الحق بالانخلاع له من الشهوات والرغبات ومظهر من مظاهر الوحدة الرائعة، يجمع المسلمين حيثما كانوا بجامعة سارية فيهم طول ليلهم ونهارهم. والزكاة تضحية لله، توحي بما يريده لعباده من التعاون والترابط وأن يكونوا جميعاً أجزاء لبنيان واحد، أو أعضاء لجسد واحد.
أما الحج فإنه لباب ذلك كله، إنه كالخلاصة المركزة لجميع العناصر التي يقوم عليها بناء الإسلام، ويحيا بها المسلمون حياة العزة والكرامة.
إن المسلمين جميعاً، لا فرق بين شعب منهم وشعب، ولا بين طائفة وطائفة، يخرج الألوف منهم عن أوطانهم، تاركين الإقليمية وراءهم، إلى إقليم واحد جعل الله فيه مناسكهم، لا يشعر الواحد منهم إلا بأنه مسلم يدين بالله رباً، وبمحمد نبياً ورسولا، وبالقرآن حاكمًا وإمامًا، وبالكعبة مصلى وقيامًا، ويلتقي شرقيهم وغربيهم وعجميهم وعربيهم، في رحاب هي لهم جميعاً، لأن فيها مقدساتهم ومنابع تاريخهم، ومشارف عزهم، ويبكون فرحًا وهم عليها مقبلون، وأسفاً وهم عنها مرتحلون.
هل يذكر السنيُّ ــ وهو في هذه الرحلة الروحية، وأمام هذه المشاهد القدسية ــ أنه سني؟ وهل يذكر الشيعي أنه شيعي؟ أم هم جميعاً مسلمون قرآنيون، بسنة محمد عاملون، وعلى محبة محمد وآله منطوون؟.
هل للسنة هناك بيت يطوفون به وللشيعة بيت؟ هل لهؤلاء مسعى ولأولئك مسعى؟ هل تقف طائفة في هذه الناحية من عرفات وطائفة في تلك؟ هل يعتقد السني وهو أمام القبر الطاهر أن هذا الرسول بعث إليه وحده من دون أخيه الشيعي؟ أو هل يعتقد الشيعي وهو أمام المزارات المعظمة لآل رسول الله الأطهار وصحبه الأبرار، أن هؤلاء الأبطال هم مَثَلُه هو من دون أخيه السني؟.
كلا إنهم جميعاً يحرمون إحراماً واحداً، ويطوفون طوافًا واحدًا، ويقفون بعرفة، وينزلون بمزدلفة، ويرمون الجمار، وينحرون، ويذبحون، ويقصدون إلى مسجد الرسول مشتاقين، ويقفون أمام جدثه الطاهر خاشعين، ويزورون آله وصحبه معتبرين.
* * *
رباه! هل ظنّ المسلمون أنك أردت لهم هذه الوحدة في مظهرها الرائع حين يحجّون، ثم أبَحْتَ لهم أن يتفرّقوا شذرَ مذرَ وهم إلى أهلهم راجعون؟ " سبحانك هذا بهتان عظيم، ﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.