• أصول الدعوة ــ 1

"لجنة تنسيق العمل الإسلامي المشترك في مجال الدعوة" تابعة لمنظمة المؤتمر الاسلامي، وتضمّ منظمات إسلامية حكومية وغير حكومية. وتهدف إلى تنسيق الجهود الدعوية والإعلامية في شتى أنحاء العالم.
خلال الدورة التي ترأست فيها إيران منظمة المؤتمر الاسلامي بعد انعقاد القمة الإسلامية الثامنة عقدت هذه اللجنة اجتماعها في طهران، وكان من أهمّ معالم هذا الاجتماع لقاء أعضاء اللجنة بالعبد الصالح الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي. وفي بدايته رحّب سماحته بحرارة بأعضاء اللجنة وقال:
إخوتي الأعزاء، لا أريد أن أتحدث إليكم باعتباري مسؤولا رسمياً، بل باعتباري طالب علم، وباعتباري رجل دين. ما نهضتم به من أعمال خلال المنظمات المختلفة وفي البلدان المختلفة، على صعيد الدعوة وتنسيق شؤون الدعوة يستحق كامل التقدير، ولاشك أن الله وحده قادر على أن يشكركم على مساعيكم المخلصة والصادقة التي تبذلونها على طريق الدعوة إلى دينه. وأنا العبد الضعيف الحقير أتقدم أيضاً بالشكر إليكم على مساعيكم في طريق الدعوة إلى الإسلام.
ثم تحدّث عن أهمية الدعوة إلى الإسلام مبينًا أن الداعية الأول إلى الله هو الله سبحانه وتعالى وأن الداعية الأول إلى الإسلام هو الرسول الأعظم(ص).
ثم ركّز على نقطة هامة هي أن انتشار الإسلام إنما كان بفضل الدعوة، نعم كان هناك السيف لكن لإزالة العقبات والموانع من أمام الدعوة.
وأشار إلى انتشار الإسلام في إيران مؤكدًا أن الدين المبين دخل عن طريق القلوب، وبذلك يردّ على العنصريين المتعصبين الإيرانيين الذين يحاولون أن يصوّروا الإسلام بأنه قد فُرض على الإيرانيين فرضًا، وأن يخرجوا بهذه النتيجة وهي أن الإيرانيين لم يعودوا مضطرين إلى قبول ما فُرض عليهم بالقوّة، ويردّ أيضاً على العنصريين المتعصبين العرب الذين يحاولون أن يصوّروا الفتح الإسلامي لإيران باعتباره نصرًا قوميًٍا عربيًا على "الفرس المجوس"!! وما شعارات صدام عنّا ببعيدة. يقول سماحته:
الدعوة إلى الإسلام فخر لكل من يحمل أعباءها. إن الله يمنّ على عبده حين يمكّنه من توجيه الناس إلى صراطه المستقيم، ويبيّن لهم معالم الدين الحنيف.
أول داع إلى الله هو الله نفسه سبحانه وتعالى:
﴿ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ ﴾.
وأول داعية إلى الإسلام هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله ).
نفخر جميعًا بأننا نصدع بما أمر الله سبحانه أفضل خلقه وأشرف أنبيائه إذ قال: ﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
الإسلام ببركة الدعوة استطاع أن يضرب بجرانه في أرجاء المعمورة.
عندنا الجهاد أيضاً، عندنا السيف أيضاً، لكن السيف لإزالة الموانع أمام الدعوة كي ينفذ نورها في القلوب. في هذا البلد الكبير إيران لم يكن دخول الإسلام في أعماق القلوب بسيوف المجاهدين، سيوف المجاهدين أزالت الموانع، إنها دعوة المؤمنين المخلصين بلسانهم وعملهم، كانت الدعوة بالعمل أيضاً: «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم».
لقد آتت الدعوة الإسلاميّة أُكُلها على مرّ القرون والأعصار، وترون اليوم عمق الإيمان الإسلامي في قلوب شعوب آسيا وأفريقيا وسائر قارات العالم، بل ترون الشوق المتزايد إلى الإسلام في بقاع القفقاز وآسيا الوسطى التي قبعت سبعين سنة تحت نير النظام الماركسي المعادي للدين والإسلام. هذا الشوق طفح بمجرد انهيار التسلط الشيوعي عليها.
ثم اهتمّ سماحته في حديثه بالوقوف عند قضية مستقبل الدعوة. وهي قضية تُثار حتى في أوساط المتدينين بشأن جدوى الدعوة في هذا العالم الصاخب بألوان الضغوط المادية والمفعم بعواصف الشهوات والموبقات. وفي هذا المجال يشير السيد القائد إلى: تعطّش البشرية إلى الإسلام.. والى متطلبات الدعوة: آلية الدعوة.. مقصد الدعوة.. رؤية الداعية. يقول:
نحن في هذا المجال لا يعوزنا شيء. عندنا القرآن، وعندنا سنّة النبي وأهل بيته، وعندنا أحكام الإسلام النيّرة والمعارف الإلهية الإسلاميّة السامية. والعالم اليوم بحاجة إلى هذه المعارف.
أقول لكم أيها الإخوة واثقًا: كما أن الأفكار الإلحادية الماركسية لم تستطع أن تقاوم الأفكار الإسلاميّة السامية طويلا، بل كان لها جولة سرعان ما انتهت، كذلك الأفكار الغربية الراهنة التي تواجه الفكر الإسلامي في كثير من ساحات الحياة بلغة أخرى وبأساليب أخرى، لا تستطيع أيضاً أن تقلّل من عذوبة أحكام الإسلام ومعارفه. البشرية اليوم متعطّشة إلى الإسلام.
ما جاء على لسان بعض المفكرين إذ قالوا: «القرن الميلادي القادم هو قرن الإسلام» أؤيده أنا أيضاً. تجاربنا ورؤيتنا للساحة العالمية تؤيد ذلك، شرط أن نكون دعاة للإسلام وأن نعمل بواجباتنا. إذا نهضنا بواجبنا فالأجواء مهيئة.
المعارف الإسلاميّة لها قدرة الامتداد إلى أعماق القلوب في جميع أرجاء العالم.
المهم في هذا المجال أن الدعوة إلى الحق والى الإسلام لها متطلباتها في كل زمان. يجب أن نفهم هذه المتطلبات، لابد أن نعرف مخاطَبنا، ونعرف الخطاب المناسب لهذا المخاطَب.
أرى أن الذي يجب أن يكون محور تنسيق العمل الدعوي بينكم أيها الأخوة والدعاة هو دراسة آلية الدعوة في عالمنا المعاصر. والى أي شيء ندعو؟
وما هو المنظار الذي نطلّ به على مسائل الناس ومشاكلهم لنستطيع أن نقدم إليهم الإسلام بشكل صحيح؟.
بعد ذلك يتطرق سماحته إلى مشكلتين على طريق تقديم الإسلام بشكله الناصع الصحيح إلى العالم، الاولى: ذهنية حسر الإسلام عن الحياة، هذه الذهنية التي كانت دائمًا عقبة أمام الانفتاح الشمولي على الإسلام، وكانت أيضا عقبة أمام العاملين لعودة الإسلام إلى ساحة الحياة، واتهام الدعاة بأنهم يستهدفون تسييس الإسلام!! وأنهم يزجّون الإسلام في المسائل السياسية!!
والثانية: الذهنية المهزومة أمام الغرب التي تعمد إلى مسخ الإسلام لكي يتناسب مع ذوق الحضارة الغربية، فيعمدون إلى الالتقاط والترقيع وانتاج الفكر الغربي بمسحة إسلامية . يقول:
يظهر أن الساحة الإسلاميّة تشهد تيارين كلاهما يشكلان خطورة على الإسلام. أحدهما: اتجاه تصوير الإسلام على أنّه مجموعة أعمال عبادية ــ أو شخصية على أبعد تقدير ــ وذلك يبعد الإسلام عن أهم ساحات الحياة، يبعد الإسلام عن ساحة السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والمجالات الهامة. ويحوّل الدين المبين إلى عقيدة صرفة في القلب وعمل فردي لا يتجاوز الإطار العائلي والارتباط الأسرى.
هذا الإسلام ليس بالذي يتعطّش إليه عالمنا المعاصر، وهو أساسًا ليس بإسلام النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله). حين ورد رسول الله المدينة أقام الحكومة الإسلاميّة، وترأسها بنفسه. لو كان بالإمكان أن ينتشر الإسلام دون الاعتماد على قدرة إسلامية ودون معالجة المسائل السياسية للمجتمع، لترك رسول الله الحكومة لمن كان يطلبها، وانشغل هو بأمور الدعوة إلى الدين وأحكامه وإسداء النصح إلى الناس.
النبي أقام نظام الإسلام. والعمل بالإسلام يستلزم أن يسخّر الدين كل ساحات الحياة. لا القلوب فحسب، ولا الأعمال الفردية والشخصية فقط، ولا المسائل الصغيرة والتافهة. هذا الاتجاه خاطئ إذن.
وثمة اتجاه خاطئ آخر في حقل الخطاب الإسلامي، وهو خاطئ بنفس درجة الاتجاه الأول. ويتمثل في اتجاه أولئك الذين يريدون أن يتحدثوا عن الإسلام، فلا يلوذون بمصادره الأساسية، بل يتجهون إلى ما راج في العالم من صرعات فكرية. يذهبون إلى ما يهيمن اليوم على كثير من مناطق العالم من فكر غربي، فيكرروه باسم الإسلام.
بعد ذلك يقف السيد الإمام عند الحضارة الغربية التي انبهر بها من انبهر، مؤكدًا ضرورة الاستغراب (أي معرفة الغرب)، ونشر هذه المعرفة بين أبناء الأمة لإنعاش ذاكرتهم دائما بشأن هذا البريق الخلّب الذي ظاهره فيه الرحمة وباطنه فيه العذاب. ومعرفة الغرب أصل ينبغي أن يعيه الدعاة إلى الله كي يقوا أنفسهم وأهليهم ومخاطبيهم من الانبهار. وفي هذا المجال يشير سماحته أولا إلى الجانب الإيجابي من هذه الحضارة ثم يبين ما أفرزته من: مصادرة سعادة الانسان.. ومن مجازر دموية.. ومن استعمار.. ومن فرض حالة التخلّف على الشعوب النامية. يقول:
للحضارة الغربية خطابها الخاص اليوم، وهو ليس بجديد، لقد خبره العالم مدة قرنين أو ثلاثة قرون. طبعًا البلدان الغربية حقّقت في مجال التطور المادي مكتسبات جيدة، ثروة هائلة، وتطورًا علميًا، واختراعات كبيرة. هذا دون شك وليد الجوانب الإيجابية الموجودة في تفكيرهم، أو وليد الخصائص القومية القائمة فيهم.
لكن البلدان الغربية في ظل هذه الحضارة ليست سعيدة بالمعنى الإنساني لكلمة السعادة. لا يتمتعون باستقرار روحي، ولا بعدالة اجتماعية، ولا رعاية لشؤون الإنسان والإنسانية. أعظم الحروب شعل أوارها الأوربيون بهذه الحضارة. وبآلة هذه الحضارة ارتكب الغربيون أفظع مجازر التاريخ.
قبل مدة أعلنت إحدى الأجهزة الكنسية إحصاءًا مفاده أن عدد المسيحيين الذين قتلوا في القرن الأخير يفوق قتلى المسيحية في كل التاريخ المسيحي. هذه إحصائية نشرت في هذا الأسبوع. وأود أن أسأل أصحاب هذه الإحصائية: من الذي قتل هؤلاء المسيحيين؟ هل قتلهم المسلمون؟ هل قتلهم البوذيون؟ أم قتلهم المسيحيون الغربيون أنفسهم؟!
من الذي قتل الملايين في الحربين العالميتين؟ المسيحيون الغربيون أنفسهم قتلوا المسيحيين. الأوربيون ارتكبوا هذه المجازر، الغربيون هم الذين أبادوا الحرث والنسل، وقتلوا أيضاً كثيراً من غير المسيحيين وغير الأوربيين.
هذه الحضارة الغربية أفرزت ظاهرة الاستعمار وفرضتها على العالم مدة مائة وخمسين سنة، وبسطت سيطرتها على كثير من البلدان الآسيوية والأفريقية. ولعل أفريقيا بأجمعها خضعت لسلطة الاستعمار وعانى الملايين من شعوبها من نير المستعمرين. انظروا ما فعله الإنجليز في شبه القارة الهندية. انظروا ما فعله الفرنسيون في شمال أفريقيا انظروا ما فعله الهولنديون والبرتغاليون والبلجيك في شرق آسيا، وما الذي أنزلوه بشعوب هذه المنطقة.
إيران لم تخضع يومًا لسيطرة استعمارية مباشرة، لكن انظروا ما فعله نفوذ الدول الغربية بإيران. أخّرونا مائة سنة إلى الوراء كنا يومًا روّاد العلم في العالم. كان فكر إيران وعِلم إيران في الطليعة. وفي فترة نموّ الشعوب وتطوّرها دخل الأوربيون بالتعاون مع المستبدين الداخليين ليعوقوا مسيرتنا ويؤخرونا مائة عام عن قافلة الحضارة، ولينزلوا كل هذا الظلم بإيران، وليخلقوا مجتمعًا يعاني ألوان التمييز. كل واحد منكم شاهدٌ على ما نزل ببلده من مآس على يد هذه الحضارة الغربية. بل أريد أن أقول: ما عانته الشعوب الغربية من هذه الحضارة لا يقلّ عمّا عانته بقية الشعوب. البنيان العائلي في الغرب وفي أوربا، وخاصة أمريكا وأوربا الشمالية متزلزل، والشباب لا يشعر بالراحة، جيل الشباب في ظل الحضارة الغربية تسوده الحيرة ويغمره الاضطراب واليأس وعدم الاستقرار. هذه هي المعطيات التي وهبها الغرب للبشرية.