• نهضة الحسين.. والتبليغ

سوف أتحدث ـ قليلاً ـ عن قضية عاشوراء أولاً، وعن مسألة التبليغ ثانياً.
إنَّ قضية عاشوراء التي سوف أتحدث عنها ـ بمقدار سطر من سجل كبير ــ لم تكن واقعة تاريخية بحتة، بل هي ثقافة وحركة مستمرة، وقدوة خالدة للأمة الإسلامية.
إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) استطاع من خلال نهضته ـ التي كان لها في ذلك الوقت باعثاً عقلائياً ومنطقياً واضحاً جداً ــ أن يرسم نموذجاً ويتركه للأمة الإسلامية.
إنَّ هذا النموذج لا يتمثّل في نيل الشهادة فحسب، بل أمرٌ متداخل ومعقد وعميق جداً.

العناصر الثلاثية
إنَّ لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ثلاثة عناصر هي: المنطق والعقل، والحماسة المشفوعة بالعزة، والعواطف.

عنصر المنطق والعقل
إنّ عنصر المنطق والعقل في هذه النهضة يتجلّى من خلال كلمات ذلك العظيم. فكل فقرة من كلماته النيّرة التي نطق بها (عليه السلام)، قبل نهضته عندما كان في المدينة والى يوم شهادته، تُعرب عن منطق متين، خلاصته: إنّه عندما تتوفر الشروط المناسبة يتوجَّب على المسلم تحمّل المسؤولية، سواء أدّى ذلك الى مخاطر جسيمة أم لا.
وإنَّ أعظم المخاطر تتمثل في تقديم الإنسان نفسه وأعزاءه وأهل بيته الى أرض المعركة وفي معرض السبي قربة لله.
إنَّ مواقف عاشوراء هذه أصبحت أمراً طبيعياً عندنا لكثرة تكرراها، مع أنَّ كل موقف من هذه المواقف يهزّ الأعماق.
بناءً على ذلك، عندما تتوفر الشروط المتناسبة مع هذه المخاطر، فعلى الإنسان أن يؤدي واجبه، وأن لا يمنعه عن إكمال مسيرته التعلقُ بالدنيا والمجاملات وطلب الملذات والخلود الى الراحة، بل عليه أن يتحرّك لأداء الواجب.
ولو تقاعس عن الحركة، لنتج عن ذلك تزلزلٌ في أركان إيمانه وإسلامه، "قال رسول ‏اللَّه (صلّى ‏اللَّه ‏عليه ‏وآله): من رأى سلطانًا جائرًا مستحلاً لحرم اللَّه و لم يغيّر عليه بفعل و لا قول كان حقّا على ‏اللَّه أن يُدخله مُدخله".
هذا هو المنطق، فلو أن أصل الدين تعرض الى خطر ولم يُغيّر ذلك بقول أو فعل، كان حقاً على الله أن يبتلي الإنسان اللاأبالي والغير ملتزم بما يُبتلى به العدو المستكبر والظالم.
لقد بيّن الإمام الحسين (عليه السلام) هذه المسؤولية من خلال كلماته المختلفة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وفي أماكن كثيرة خلال مسيره، وبيّن ذلك في وصيته الى أخيه محمد بن الحنفية .
كان الإمام الحسين (عليه السلام) على علم بعاقبة هذا الأمر، وينبغي أن لا يُتصور أنَّ الإمام (عليه السلام) علّق آماله على نيل السلطة وتحرك من أجلها، وإن كانت هذه السلطة من الأهداف المقدسة، كلا، فليس هناك ما يستوجب علينا أن نعتقد بذلك؛ لأنَّ عاقبة هذا الطريق متوقعة وواضحة طبق الحسابات الدقيقة للإمام الحسين (عليه السلام) والرؤية الإمامية، إلا أنَّ أهمية المسألة تتأتى من هذا الجانب، وهو أنّ ما قدّمه الحسين على عظمته وسموّ مكانه من تضحية كبرى يعتبر درساً عملياً بالنسبة للمسلمين الى يوم القيامة، وليس درساً نظرياً يُكتب على لوحة الكتابة ثم يُمحى، كلا، فقد خُطَّ هذا النهج بأمر إلهي على صفحات جبين التاريخ، وأدى ثماره الى يومنا هذا.
إنّ نهضة الإمام الخميني (قدس سره) في محرم عام 1962م استُلهمت من ثمـار التطبيق العملي لدرس عاشوراء، وكذلك في محرم 1978م استلهم إمامنا العزيز نهضته منها حيث قال: "لقد انتصر الدم على السيف"
وأدّت هذه الحادثة التاريخية الفريدة الى انتصار الثورة الإسلامية.
هذا ما تحقق في عصرنا، وأمام أعيننا، وإنَّ راية الفتح والظفر التي حملها الإمام الحسين (عليه السلام) ماثلة للشعوب على مرّ التاريخ، ولابد أن تكون كذلك في المستقبل، وهو ما سوف يكون إن شاء الله تعالى، هذا جانب المنطق العقلائي والاستدلالي لحركة الإمام الحسين (عليه السلام).
بناءً على ذلك، لا ينحصر تفسير نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بالجانب العاطفي، فهذا الجانب غير قادر على تفسير جوانب الواقعة لوحده.
الحماسة
العنصر الثاني: الحماسة؛ أي أنَّ العملية الجهادية الملقاة على عاتقنا، يجب أن تقترن بالعزة الإسلامية؛ لأنَّ؛ ﴿لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وعلى المسلمين أن يحافظوا على عزّتهم وعزّة الإسلام، ولابد أن يتحلّى الإنسان المسلم بسمات الشموخ والعزة في أشد الأزمات.
لو أننا نظرنا الى الصراعات السياسية والعسكرية المختلفة في تاريخنا المعاصر، سوف نجد حتى أولئك الذين كانوا يحملون السلاح ويخوضون الحروب، يُعرِّضون أنفسهم أحياناً الى مواقف الذلّة، إلا أنَّ هذه المسألة ليس لها وجود في فلسفة عاشوراء، فعندما يطلب الإمام الحسين (عليه السلام) أن يمهلوه ليلة واحدة، يطلبها من موقع العزّة، وحينما يقول: "هل من ناصرٍ ينصرنا" فإنه يطلب النصرة من موقع العزّة والاقتدار، وعندما تلتقي به الشخصيات المختلفة في الطريق بين المدينة والكوفة، ويتكلم معهم ويطلب النصرة من بعضهم، لم يكن ذلك من موقع الضعف وعدم القدرة. وهذا أحد العناصر البارزة في نهضة عاشوراء.
ينبغي أن يُطبّق عنصر الحماسة المشفوع بالعزّة في جميع الحركات الجهادية المدرجة في جدول أعمال سالكي طريق النهضة الحسينية، وأن تكون جميع الحركات الجهادية ــ سواء كانت سياسية، أو إعلامية، أو المواقف التي تستدعي التضحية بالنفس ــ منطلقة من موقف العزّة.
انظروا الى شخص الإمام الخميني (رض) في يوم عاشوراء عندما كان في المدرسة الفيضية. فقد كان رجل دين, ولم يكن يمتلك شيئاّ من القوة العسكرية, أو أي شيء من هذا القبيل, إلا أنّه كان يتمتع بشخصية لها من العزّة بحيث يركع العدو صاغراً لقوة بيانه، هذه هي مكانة العزّة.
هكذا كان الإمام الخميني (رض) في تلك الظروف، وحيداً فريداً، ليس له عدّة ولاعدد، إلا أنّه كان عزيزاً، وهذه هي شخصية إمامنا العظيم.
نشكر الله تعالى أن جعلنا في زمان تمكنّا فيه أن نرى تجسيدًا لما كنَّا نردده ونقرأه ونسمعه كثيراً عن واقعة كربلاء.

العاطفة
العنصر الثالث: العاطفة؛ أي أنّه قد أصبح للعاطفة دور مميز في واقعة كربلاء وفي استمرارها، ممّا أدّى إلى تميّز النهضة الحسينية عن النهضات الأخرى ، فواقعة كربلاء ليست قضية عقلية جافة ومقتصرة على الاستدلال المنطقي، بل قضية اتّحد فيها الحب والعاطفة والشفقة والبكاء.
إنَّ الجانب العاطفي جانب مهم؛ ولهذا أُمرنا بالبكاء والتباكي واستعراض مشاهد المأساة.
لقد كانت زينب الكبرى (عليها السلام) تخطب في الكوفة والشام بقوّة وشجاعة، إلا أنها في نفس الوقت تقيم مآتم العزاء، وقد كان الإمام السجاد (عليه السلام) بقوته وصلابته ينزل الصواعق على رؤوس بني أمية عندما يصعد المنبر، إلا أنه كان يعقد مجالس العزاء في الوقت نفسه.
إنَّ مجالس العزاء مستمرة الى يومنا هذا، ولابد أن تستمر الى الأبد لأجل استقطاب العواطف، فمن خلال أجواء العاطفة والمحبة والشفقة يمكن أن تُفهم كثير من الحقائق، التي يصعب فهمها خارج نطاق هذه الأجواء.

العناصر الثلاثة في التبليغ
وبما أننا نبلّغ بإسم الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، وقد أُتيحت لنا فرصة تخليد هذه الشخصية العظيمة، التي من خلالها يمكن تبليغ الدين على جميع الأصعدة، فينبغي أن يكون لكل عنصر من هذه العناصر الثلاثة دور في تبليغنا، فكما يعتبر الاقتصار على الجانب العاطفي وإهمال الجانب المنطقي والعقلي في واقعة كربلاء، تقليلاً من قيمة الواقعة، كذلك التغافل عن الجانب الحماسي المشفوع بالعزة هو تقليل من قيمة الواقعة، وتضييع لقسم من هذه الكنوز الثمينة، فيجب على الجميع (قارئ العزاء، والخطيب المنبري، والمدّاح) أن يلاحظ ذلك.
ما معنى التبليغ؟ التبلغ يعني إيصال فكرة إلى قلوب المستمعين. بعض المبلغين لا يتمكنون من إيصال مطالبهم حتى الى الأسماع، فضلاً عن القلوب، بل إنَّ السمع لا يتحمل ما يقولون ولا يستقبله، فالسمع عندما يستقبل شيئاً، يُحَوّله الى الدماغ، وينبغي أن لا تنتهي المسألة عند هذا الحد، بل لابد أن تنفذ الكلمات الى القلب وتترسخ فيه، بحيث تتناغم شخصية المستمع مع شخصية المبلّغ، هذا هو دور عملية التبليغ.
إننا لا نؤدي الوظيفة التبليغية بالتحدث فقط، بل بايصال المادة التبليغية الى قلب المستمع وترسيخها فيه.

المادة التبليغية
ما هي المادة التبليغية؟ هي المبادئ والقيم الإسلامية، التي ضحَّى من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام) بنفسه وحُرمه وأهل بيته، والتي خطّها خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وجميع أنبياء الله وأوليائه الصالحين، وكان مظهرها أبا عبدالله (عليه السلام).
نحن نريد أن نقوم بتبليغ المنطق والقيم والأخلاق الإسلامية وجميع ما يرتبط بالهوية الإنسانية على أساس الدين، وبناء شخصية المستمع بناءً إسلامياً,
أعتبر أنَّ إقامة الحكومة الإسلامية من أهم الأعمال، لكنّ هذا لا يعني أن نغفل عن صيانه الهوية الإسلامية للأشخاص الذين نتعامل معهم فرداً فرداً، فإنَّ هذا من أهم الأمور.
إنَّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بدأ ببناء الإنسان ـ بناء اللبنة الأساسية ـ وعندها استطاع أن يحمّله مسؤولية إقامة المجتمع الإسلامي. لم يغفل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع الأحوال عن بناء هوية مستمعيه، بل كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم ببناء هوية الإنسان حتى في الحروب الشديدة كحرب الأحزاب، وبدر، وأحد.
لاحظوا آيات القرآن الكريم، ستجدون أنَّ أهم أهداف التبليغ هو بناء الإنسان.

التناول السياسي والتناول التربوي
علينا أن نحذر من مسألتين:
الأولى: الغفلة عن طرح القضايا السياسية دائرة كلامنا وأقوالنا وسعينا وجهادنا التبليغي، فهذا ما أنفق عليه الأعداء الأموال الطائلة خلال عشرات السنين، الا أنَّ الثورة الإسلامية بدّدت آمالهم، وجعلت التوجّه السياسي من صميم الدين.
الثانية: التصوّر بأن كل ما يقال على المنبر التبليغي هو التحدث في قضايا أمريكا وإسرائيل وتحليل المسائل السياسية، كلا، فهناك مسائل أخرى مهمة، وهو "قلب" مستمعكم، ينبغي لكم إصلاح وبناء وإرواء قلبه وروحه وفكره، وهذا يحتاج الى دوافع معنوية، نحن أيضاً لابد أن نمتلك جوانب معنوية لكي نستطيع التأثير في المستمعين، وبدونها لا يمكن تحقق ذلك.

التسلح بالخطاب العقلاني
لا بد أن يشتمل هذا الخطاب المعنوي على عنصري الفكر والمنطق، وعلينا أن نتسلح بهما، لكي لا نتفوه بالكلام الضعيف، فقد صدق من قال: الدفاع الضعيف أسوأ من الهجوم القوي، وهو كلام دقيق، فعندما يكون الدفاع عن الدين ضعيفاً ورخواً، يكون الأثر السلبي لهذا الدفاع أشد على الدين مما لو هوجم.
يجب أن نبتعد في كلامنا ومنبرنا وتبليغنا عن كلّ كلام هش، لا متانة له ولا ثبات.
فليس من العيب أن نطرح بعض الموضوعات التي نجدها أحياناً في كتاب وليس لها سند، كأن تكون حكمة أو من المسائل الأخلاقية التي لا تحتاج الى سند، إلا أنَّ العيب في أن نطرح مسألة لا يستوعبها المستمع؛ لأنّها سوف تبعده عن أصل الموضوع، وتؤدي الى التقليل من هيبة الدين والمُبلّغ في عقله وقلبه، وتوحي بأنّ هذا الأمر يفتقر الى المنطق، بينما أساس عملنا هو المنطق.
بناءً على ذلك، فإنَّ المنطق هو عنصر أساسي في التبليغ.
ثم المسألة الأخرى هي أسلوب العمل.
أسلوب العمل
عندما نذهب الى المدينة أو القرية علينا أن نلاحظ سلوكنا، قيامنا وقعودنا، معاشرتنا، نظرنا وعبادتنا، تعلّقنا بالملذات الدنيوية وأكلنا ونومنا، فهذه تعتبر أهم وسائل التبليغ، وهي إما أن تكون مع التبليغ أو ضده، فإذا كانت صحيحة تكون تبليغاً، وإذا كانت خاطئة تكون ضده.
فكيف نتمكن من جعل قلوب الناس في الوسط الاجتماعي والحياتي تطمئن لكلامنا وتثق بنا ونحن نتكلم في ذم الانغماس في الشهوات الدنيوية، وذم التعلق بالمال والانهماك في طلب الملذات الدنيوية، بينما نحن نعمل خلاف ما نقول لا سمح الله!؟
إما أن لا يؤثر كلامنا أصلاً، أو يؤثر تأثيراً عابراً، أو يكون تأثيره معكوساً تماماً, وبناء على ذلك فإنَّ العمل بما نقوله مهم جداً.
إنَّ لديَّ قناعة تامة بأهميّة المنبر، رغم انتشار شبكة المعلوماتية (الإنترنيت)، والفضائيات، والتلفاز، ووسائل الاتصال الأخرى بكثرة، إلا أنه ليس هناك وسيلة من هذه الوسائل تضاهي المنبر، فالمنبر يعني التكلّم وجهاً لوجه، وقلباً لقلب، وهذا له تأثير مباشر وممتاز, ليس له وجود في أي وسيلة من الوسائل الأخرى، فعلينا الحفاظ على المنبر، فهو أمر قيّم، غاية الأمر يجب أن نتعامل معه بطريقة فنية من أجل أن يؤدي غرضه.