• محاور خطاب الامام الخامنئي لحجاج بيت الله الحرام

نداءات الحج التي يبعثها العبد الصالح الإمام الخامنئي إلى المسلمين عامة والى حجاج بيت الله الحرام خاصة في مواسم الحج تستهدف إثارة روح العزّة في نفوس المسلمين وإبعادهم عن الإحساس بالذل والهوان.
وهذه ظاهرة هامّة جدًا في خطاب القيادة الإسلامية في إيران، تتجلّى بشكل بارز في أحاديث الإمام الراحل السيد الخميني(رض) وتتواصل بصورة واضحة في خطاب خلفه.
وقفت عند هذه الظاهرة طويلا، ووجدت أنها تميّز خطاب كل الإحيائيين الإسلاميين، بل كل الحريصين على اعتلاء مكانة أمتهم على ظهر الأرض. وألفيت أنها ظاهرة فطرية لدى الكائن الإنساني الحيّ. فالإنسان الحيّ منشدّ بفطرته إلى العزّة، ويكدح لاستحصالها، لأنه كادح إلى ربّه، وربه عزيز، وإنما يصاب الكائن البشري والمجموعة البشرية بالذلّ إما لفقدان خصائص الحياة، أو لسلوك طريق مضل ينتهي إلى عزّة سرابية.
والإسلام دعوة إلى الحياة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ .﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾.
من هنا لا يمكن للإنسان المسلم أن يكون ذليلا قط: "إن الله فوض إلى المؤمن أمره كله، ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلا".
وأصل "العزة" هذا مشهود في كل تعاليم الإسلام الفردية والاجتماعية.. غير أنه منسّي مع الأسف بسبب هبوط علامات الحياة في الأمة المسلمة، وأينما وجدت علامة للحياة تتمثل في الحركة والنهوض والعودة إلى الله والعودة إلى الذات، تجد أيضًا دعوة إلى العزة والكرامة، ورفضًا للذل والخضوع والاستسلام.
وفي نداءت الإمام الخامنئي هذه تتخذ الدعوة إلى العزّة أبعادًا مختلفة نشير إلى بعضها:
الإسلام المحمدي دين العزّة
ذكرتُ أن مظاهر الحياة حين تضمر في المجتمع تضمر معها مظاهر العزّة، وتتأطر كل الظواهر في ذلك المجتمع بإطار من الذل والاستكانة والهزيمة. حتى الدين في مثل هذا المجتمع يفرغ من محتواه الحياتي ويصبح غير قادر على الدفع والتحريك وتفجير الطاقات. ومثل هذا الدين تروّج له كل قوى إذلال المسلمين، وأطلق عليه الإمام الراحل اسم الإسلام الأمريكي، على عكس الإسلام الاصيل المحمدي الذي لا ينفك عن العزّة. الإمام الخامنئي يركز في أحد نداءاته على مفهوم هذا الإسلام الأصيل إذ يقول:
"وهنا يظهر بوضوح ذلك التقسيم الصارم الذي أعلنه إمامنا الفقيد.. ذلك الداعي إلى الله والذائب في الله.. بين الإسلام الأصيل المحمدي(ص) وبين الإسلام الأمريكي. الإسلام الأصيل المحمدي إسلام العدل والقسط.. إسلام العزّة.. وإسلام حماية الضعفاء والحفاة والمحرومين.. إسلام الدفاع عن حقوق المظلومين والمستضعفين.. إسلام الصمود أمام المعتدين وعدم مداهنة المتغطرسين والمتفرعنين.. إسلام الأخلاق والفضيلة والسموّ المعنوي" (من ندائه عام 1409هـ).

العزّة بالله لا بغيره
قد يتحرك الإنسان نحو سراب يخال فيه عزّته و"يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا" وقد يرى في طواغيت الأرض مصدرًا للعزّة : ﴿وقالوا بعزّة فرعون إنّا لنحن الغالبون﴾، وقد يراها في أعداء الدين: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أيبتغون عندهم العزّة فإن العزّة لله جميعا﴾.
وقادة الدين يوجهون الأمة نحو مصدر عزّتهم، ويهدونهم نحو العزيز المطلق، الذي له العزّة جميعًا. ولا يكاد يخلو نداء من هذه النداءات من هذه الهداية وهذا التوجيه. يقول:
"الحج الإبراهيمي والمحمدي(ص) والحج العلوي والحسيني(ع) هو ما اقترن بالارتباط بالله والركون إلى حكومته وقدرته مع الإعراض عن قدرة الطواغيت والجبابرة. ما أجمل ترتيل سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة (الحسين بن علي(ع)) وهو يناجي ربه في عرفات حيث يجمع ذلكما الارتباط والإعراض في قوله: "الهي أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها.. وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي، ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين.. يامن جَعَلتْ له الملوك نيرَ المذلّة على أعناقهم فهم من سطوته خائفون..." (من ندائه سنة 1409هـ).

العزّة في ظلال حاكمية الدين
محاولات المصلحين في عصرنا الحديث لإنقاذ العالم الإسلامي كثيرة.. والإحباطات كثيرة أيضًا. عوامل الفشل تكمن غالبًا في أطروحات هؤلاء المصلحين. فهي إما بعيدة عن المزيج الحضاري لهذه الأمة، أو لا تنظر إلى الإسلام نظرة شمولية مستوعبة لجوانب الهدم والبناء. والإمام الخامنئي يركز في نداءاته على أن استعادة العزة لا تتحقق إلا في ظلال حاكمية الدين بمعناه الشامل.. أي رفض حاكمية الطاغوت (لا إله) وتقرير حاكمية رب العالمين (إلا الله) يقول:
"أتوجه بالخطاب أيضا إلى الشعوب الإسلامية وأبناء الأمة الإسلامية فرداً فرداً وأقول: علاج كل مايلم بالأمة من آلام وإحباطات يتمثل في العودة إلى الإسلام، والانضواء تحت لواء النظام الإسلامي والأحكام الإسلامية. وبذلك يستطيع المسلمون أن يستعيدوا عزتهم وشوكتهم وتمتعهم بمعيشة مرفهة آمنة، وأن يبتعدوا عن المصير المر المذلّ الذي تسوقهم إليه دوائر التخطيط الاستكباري" (من ندائه عام 1412هـ).
وبعد أن يستعرض المواقف العدائية للإسلام على الساحة العالمية يقول:
"هذه صورة مقتضبة عن عداء الغرب وأمريكا للإسلام والمسلمين في عصرنا. لا الاستعطاف ولا الاستسلام ولا المحادثات ولا أيّ طريق من الطرق التي يقترحها البعض عن بساطة على المسلمين تستطيع أن تعالج الداء وتنقذ المسلمين. العلاج يكمن في شيء واحد دون غيره: اتحاد المسلمين، والتمسك بالإسلام وقيمه ومبادئه، والمقاومة أمام الضغوط، وتضييق الساحة ــ في المدى البعيد ــ على الأعداء.
والعالم الإسلامي اليوم ينظر بعين الأمل إلى الشباب الغيارى المعبئين في جميع أرجاء العالم الإسلامي ليدافعوا عن كيان الإسلام ويؤدوا دورهم التاريخي" (من ندائه عام 1413هـ).

العزّة في ارتباط الأمة بجذورها
العودة إلى الذات مقدمة هامة لاستعادة العزّة، لأنها مقدمة لتبلور الشخصية المستقلة للفرد وللأمة، وللتخلّص من الذوبان والتمييع الحضاري. لذلك نجد في النداءات دعوة إلى الارتباط بالجذور، من أجل صيانة شخصية الأمة من الغزو الثقافي والمسخ الحضاري يقول:
"والمسألة الثانية التي ينبغي التفكير فيها وخاصة في هذه الظروف الزمانية والمكانية مسألة: ارتباط الأمة الإسلامية بتاريخها وأيضًا بمصيرها الذي يجب أن تقرره لنفسها.
سعى الاستعمار منذ دخوله آسيا وأفريقيا أن يشوّه ماضي الأمة ويلقي عليه ضباب النسيان.
السيطرة على الذخائر المادية والإنسانية في البلدان الإسلامية وعلى مصير الشعوب الإسلامية هدف نشده الاستعمار المباشر وغير المباشر منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وهذا الهدف كان يتطلب بشكل طبيعي كسر الإحساس بالعزة والشخصية بين الشعوب الإسلامية، وقطعها عن تاريخها العظيم بشكل كامل، لتتخلّى عن ثقافتها وأخلاقها وتصبح مستعدة لقبول الثقافة الغربية والتعاليم الاستعمارية. وهذه الدسيسة قد نجحت في الأجواء المساعدة التي كان قد وفّرها تسلّط الحكومات الفاسدة والمستبدة في البلدان الإسلامية، وبذلك هجم سيل الثقافة الغربية وكل المفاهيم التي كان الاستعمار يعتقد بضرورة ترويجها بين الشعوب الإسلامية لضمان سيطرته السياسية والاقتصادية على تلك الشعوب" (من ندائه عام 14133هـ).
ويدعو الحجاج إلى الارتباط بتاريخ الأرض التي يؤدون فيها نسكهم وزيارتهم، ففيها كل ما يذكرهم بعظمة ماضيهم، ويربطهم بسرّ عزّتهم وكرامتهم ، يقول:
"كل شبر من هذا التراب وهذه الأرض يحمل ذكريات عن عصر رسول الله(ص) وأصحابه المضحين النيرين.
في هذه الأرض بزغت شمس الإسلام وخفقت راية الجهاد وانبثق تحرر البشرية من أغلال الجاهلية وقيودها.
واليوم إذ اتجهت الشعوب المسلمة في جميع أرجاء العالم الإسلامي بعد قرون من الانحطاط والركود والذلّة نحو اليقظة والقيام لله سبحانه، وإذ يفوح في أجواء كثير من البلدان الإسلامية عطر الحرية والاستقلال والعودة إلى الإسلام والقرآن، فإن المسلمين بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى أن يوثقوا ارتباطهم بماضيهم النير المعجز.. بعصر القيام لله وكفاح العصور الإسلامية الأولى.
الذكريات الإسلامية في هذه الأرض هي لكل مسلم متدبر بلسم شفاء ينجيه من الضعف والهزال واليأس والتشاؤم، ويشق أمامه الطريق للوصول إلى أهداف الإسلام، وهي نفسها أهداف الكدح والحياة كما يفهمها كل إنسان له نصيب من العمق والحكمة" (من ندائه عام 1411هـ)

حثّ الحكومات على العزّة
للحكومات دون شك دور كبير في عزّة الأمة أو ذلّها. الحاكم المنحرف إما أن يطغى ويتفرعن فيستضعف شعبه ويذلهم ويستخفهم، وإما أن يحسّ بالضعف فيلجأ إلى الفراعنة ليجد في كنفهم عزّته وقوّته.. ويفتح بذلك السبيل لسيطرة أجنبية مذلة على أمته. والإمام القائد يدعو الحكومات لتعود إلى الإسلام ولتجد قوتها في كنف الدين الحنيف. يقول:
"الشعوب والحكومات تتحمّل مسؤولية مشتركة تجاه تصاعد الاتجاه نحو الإسلام الأصيل المحمّدي(ص)، الإسلام الذي يضع مسؤولية قطع نفوذ الشيطان الأكبر وبقية الشياطين عن حياة الشعوب في رأس قائمة اهتماماته. وإذا كانت الحكومات الإسلامية تحمل ولاء لبلدانها وشعوبها فلتعلم أن هذا الإسلام الأصيل المحمدي هو القادر على ضمان حياة شريفة مستقلة للشعوب والبلدان، واقتدار وقوة للحكومات. أسال الله سبحانه وتعالى أن يمنّ على المسلمين في العالم باليقظة والشرف والعزة والنجاة من براثن الاستعمار والنصر في مواجهة أعداء الله" (من ندائه عام 1411هـ).
ويقول: "اُهيب برؤساء البلدان الإسلامية أن يلتفتوا إلى ما عندهم من قدرة هائلة، ألا وهي قدرة الشعوب الإسلامية. فبمساعدة هذه القدرة الصلدة تستطيع الحكومات الإسلامية أن تقف بوجه القوة الأمريكية التي تتزعم اليوم جبهة الاستكبار المعادية للإسلام، وأن تدافع عن حق شعوبها وعن الشعوب المظلومة المسلمة. الإسلام أفضل ضمان لإدارة حياة شعب من الشعوب. في ظله تستطيع الشعوب أن تذوق شهد الحرية والاستقلال التام، وتتمتع بمعطياتها. والإيمان الإسلامي الراسخ في جميع أفراد البلدان المسلمة أعظم سند لتحقيق هذه الأهداف.
المؤمّل من الحكومات المسلمة أنها، بدلا من أن تساورها المخاوف والهواجس من الإسلام، وهي مخاوف وهواجس تسعى أمريكا وغيرها من زعماء الاستكبار حثيثًا إلى إلقائها في روع زعماء البلدان الإسلامية، بدلا من ذلك تنظر إلى هذا الدين الإلهي باعتباره منقذًا لشعوبها، وعاملا على شدّ الشعوب المسلمة أعني أجزاء الأمة الإسلامية ببعضها، ومصدرًا تستمدّ منه مقومات العزة والمنعة. إنه أقوى وسيلة لكسب دعم الشعوب، والحكومة التي يساندها شعبها تستطيع أن تتحدى كل تهديد" (من ندائه عام 1412هـ).
ويقول: "كل ما يؤمّل من الحكومات المسلمة يمكن تحققه بإرادة وعزيمة شعوبها. فعليكم يا أبناء الشعوب الإسلامية أن تطالبوا حكامكم بالوقوف بوجه الصهيونية والاستكبار، وبالدفاع عن المسلمين المظلومين في أرجاء العالم، وبالتلاحم والتآخي مع سائر الشعوب والبلدان الإسلامية، وكونوا لهم على طريق تحقيق هذه الأهداف السامية سندًا حميمًا وباذلاً سخيًا.
عليكم أن تقنعوهم بالابتعاد عن الخوف من أمريكا بالوقوف بوجه تعنّتها وعليكم أن تفهموهم بأن الإسلام والقرآن هما الطريق الوحيد للإنقاذ، ووجهوهم إلى ذلك الحصن المنيع، حصن (لا إله إلا الله)" (من ندائه عام 1412هـ).

النهي عن التفرّق
التفرّق أكبر خطر يهدد عزّة الجماعة البشرية، ويذهب بريحها. الإسلام ركز على هذا المفهوم وحثّ بشدّة على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرّق واجتناب التنازع، وكلّ المهتمين بكرامة أمتهم يحرصون على وحدتها وتراصّ صفوفها. ونداءات السيد الإمام طافحة بالدعوة إلى الوحدة والنهي عن التفرق. يقول:
"والموضوع التالي يرتبط باتحاد المسلمين وتوحدهم، وهو ما يشكل مضموناً بارزا آخر في مناسك الحج. منذ أن دخل الاستعمار الأوربي في البلدان الإسلامية كانت التفرقة بين المسلمين من المبادئ الحتمية في سياسة المستعمرين.. متوسّلين بسلاح الطائفية تارة وبالنعرات الإقليمية والقومية تارة، وبغيرها أحيانا. ومع كل نداءات المصلحين ودعاة الوحدة، فإن مدية الأعداء هذه لا تزال تنزل بجسد الأمة الإسلامية مع الأسف ضربات وجراحات. إثارة الاختلافات بين الشيعة والسنّة، والعرب والعجم، والآسيويين والأفارقة، وتضخيم القوميات العربية والطورانية والفارسية ــ وإن ابتدأت على يد الأجانب ــ فهي اليوم تستمر مع الأسف على يد أفراد من بيننا، يعبّدون طريق العدو عن سوء فهم أو عن عمالة للأجانب. هذا الانحراف يبلغ من الفظاعة أحيانا أن تنفق بعض حكومات المسلمين أموالا للتفريق بين المذاهب الإسلامية أو الشعوب والأقوام المسلمة، أو أن يعلن بعض أنصاف العلماء بصراحة فتوى تكفير بعض الفرق الإسلامية ذات الماضي الوضيء في التاريخ الإسلامي. يجدر بالشعوب المسلمة أن تتعرّف على الدوافع الخبيثة لهذه الإعمال، وأن ترى الأيدي التي وراءها.. يد الشيطان الأكبر وأيدي أذنابه، وأن تتصدى لفضح الخائنين" (من ندائه عام 1413هـ).
الحج منطلق العزّة
أبرز ظاهرة في نداءات الحج الموجهة من القيادة الإسلامية في عصر الإمام الراحل وخلفه التأكيد على الحج وعلى قدرة هذه الفريضة أن تتغلب على كل ضعف في المسلمين وأن تخلق كل مقومات عزتهم وكرامتهم.. وربّما تثير مثل هذه الأحاديث استغرابًا عند كلّ من يرى فريضة الحج بوضعها الحالي حيث تتوجه مجموعة من المسلمين كل عام لأداء نسكها وتعود إلى موطنها دون أن يتحرك ساكن في هذه الأمة. غير أن السيد القائد يرى أن هذا الحج ليس بالحج الصحيح.. لأن هذه العبادة الجماعية شرعت لتوثيق عرى الأمة، وترسيخ الهوية، واستعراض القوة، وتثبيت العزة يقول:
"الحج الصحيح يستطيع أن يحدث تغييرًا في المحتوى الداخلي لكل فرد من أفراد المسلمين. يستطيع أن يغرس في نفوسهم روح التوحيد والارتباط بالله والاعتماد عليه، وروح رفض كل الأصنام الداخلية والخارجية في وجود الكائن البشري، هذه الأصنام المتمثلة في الأهواء والشهوات الدنيئة والقوى الطاغية المسيطرة، يستطيع أن يرسّخ الإحساس بالقدرة والاعتماد على النفس والفلاح والتضحية. ومثل هذا التحول يستطيع أن يصنع من كل إنسان موجودًا لا يعرف الفشل ولا ينثني أمام التهديد ولا يضعف أمام التطميع.
والحج الصحيح يستطيع أن يصنع من الأشلاء الممزقة لجسد الأمة الإسلامية كيانًا واحدًا فاعلاً مقتدرًا، وأن يجعل هذه الأجزاء المتفرقة تتعارف وتتبادل الحديث عن الآمال والآلام والتطورات والاحتياجات المتقابلة والتجارب المستحصلة. لو أن الحجّ وُضع ضمن إطار برنامج يتوخّى هذه الأهداف والنتائج وتتظافر عليه جهود الحكومات والعلماء وأصحاب الرأي والكلمة في العالم الإسلامي، لعاد على الأمة الإسلامية بعطاء ثرّ لا يمكن مقارنته بأي عطاء آخر في دنيا الإسلام. يمكن القول بكل ثقة أن هذا التكليف الإلهي وحده، لو استثمر استثمارًا صحيحًا كما أرادته الشريعة الإسلامية، يستطيع بعد مدة غير طوي1ضلة أن يبلغ بالأمة الإسلامية ما يليق بها من عزّة ومنعه" (من ندائه عام 1413هـ).
ويقول: "نعم، الحج عبادة وذكر ودعاء واستغفار، لكنه عبادة وذكر واستغفار في اتجاه تحقيق الحياة الطيبة للأمة الإسلامية، وإنقاذها من أغلال الاستعباد والاستبداد وآلهة المال والقوة، وغرس روح العزّة والعظمة فيها، وإزالة الضعف والخور عنها". (من ندائه عام 1409هـ).
ويقول: "الحج قادر على إحياء روح التوحيد في القلوب، وعلى تجميع أشلاء الأمة الإسلامية الكبرى، وعلى استعادة عظمة المسلمين، وعلى انتشالهم من حالة الإحساس بالوهن والذل المخيّمة عليهم.. الحج قادر على أن يقرّب أدواء المسلمين من الدواء، وأن يعالج أكبر ما فيهم من داء يتمثل في سيطرة الكفر والاستكبار ثقافيًا واقتصاديًا وسياسياً" (من ندائه عام 1410هـ).
ويقول: "الحج مظهر التوحيد، والكعبة بيت التوحيد. تكرر "ذكر الله" في الآيات الكريمة المرتبطة بالحج دلالة على وجوب إزالة كل عامل غير الله تعالى من ذهن المسلمين وعملهم، وتطهير حياتهم من أنواع الشرك في هذا البيت وببركة هذا البيت. "الله" سبحانه محور كل حركة في ساحة الحج، والطواف والسعي والرمي والوقوف وسائر شعائر الله في الحج يمثل كل واحد منها مشهدًا من مشاهد الانجذاب إلى الله وطرد ورفض "أنداد الله".
وهذه هي الملة الحنيفة. ملة إبراهيم(ع) محطّم الأصنام الكبير وداعية التوحيد المطل على قمة التاريخ" (من ندائه عام 1410هـ).