• الحرية.. والأصالة الثقافية

الحرية من الأهداف الإنسانية الكبرى، وترتبط بفطرة الإنسان التي ترفض كل ما يحدّ حركته نحو كماله: الموجود البشري مخلوق لأن يتحرك نحو الله سبحانه، نحو الكمال المطلق، ولا يقرّ بأي شيء يحول دون هذه الحركة.
هذا منطق الفطرة.. ويجب أن تكون كل الشرائع والقوانين منسجمة مع هذا المنطق.. غير أن انحراف الإنسان عن فطرته يوقعه في سكون وجمود لا يعرف معها الحركة على طريق الكمال، أو يوقعه في حركة متجهة نحو سراب أو دمار وتباب.
الساكنون الجامدون لا يعرفون للحرية معنى لذلك يقفون منها موقفًا سلبيًا، والمتحركون المنحرفون يفهمون خطأ أن الحرية إزالة الحدود والسدود أمام مسيرتهم المدمّرة السرابية.
والى ذلك يشير العبد الصالح الإمام الخامنئي في حديثه إلى الجامعيين إذ يقول:

(أعتقد أن ثمة مجموعتين تتحركان خلاف أسلمة "الحرية" وأصالتها الثقافية.
مجموعة تلهج في حديثها عن الحرية بأسماء فلاسفة القرون الأخيرة الغربيين وتستشهد بأقوالهم، قال فلان وقال فلان. طبعا هؤلاء هم الشرفاء من هذه المجموعة، وثمة آخرون من هؤلاء المتفلسفين الصحفيين من ينتحل أقوال هؤلاء الفلاسفة الفرنسيين أو الألمانيين أو الأمريكيين دون أن يذكروا أسماءهم. هؤلاء يزوّرون ويساهمون أيضا في إشاعة جوّ يجعل فكرة الحرية ومفهوم الحرية الاجتماعية، فكرة غربية، وهدية جاءتنا من الغرب.
ومجموعة أخرى تساعد تلك الأولى من حيث لا تدري، وهي أولئك الذين ما إن سمعوا حديثًا عن مفهوم الحرية حتى استولى عليهم الرعب والخوف ورفعوا عقيرتهم بـ"واديناه"!! لا، ليس الأمر كذلك. الدين أكبر مناد للحرية. لماذا الخوف على الدين من الحرية؟! الحرية الصحيحة.. الحرية المعقولة أهم معطيات الدين لشعب من الشعوب ولمجتمع من المجتمعات. ببركة الحرية تنضج الأفكار وتتفتح المواهب. الاستبداد ضد الموهبة، أينما حلّ الاستبداد انعدم تفتح المواهب. الإسلام ينشد تفجير طاقات البشر. الطاقات البشرية العظيمة ــ مثل الطاقات الطبيعية المخزونة ــ يجب استخراجها لتستطيع عمار الأرض. وهل يمكن أن يتحقق ذلك دونما حرية؟! هل يمكن ذلك بالأمر والنهي؟! تفكير هذه المجموعة إذن خاطئ أيضًا.
هاتان المجموعتان ولنسميهما المتغربين والمحتاطين متعاونتان من حيث لا تعلمان، لإخراج مفهوم "الحرية" من الدائرة الإسلامية، بينما الأمر ليس كذلك، ومفهوم "الحرية" مفهوم إسلامي).

ثم يتناول السيد الإمام المفهوم الإسلامي للحرية ويقول:
(المقصود من حديثنا عن الحرية ليس هو الحرية المطلقة، إذ لا يوجد لمثل هذه الحرية مدافع في العالم. لا أظن أن أحدًا يدعو إلى الحرية المطلقة في العالم. وليس المراد أيضًا الحرية المعنوية الموجودة في الإسلام وخاصة في المستويات الرفيعة للمعارف الإسلامية، ليس هذا محلّ بحثنا، الحرية المعنوية يؤمن بها كل من يعتقد بالمعنويات، وليست موضع ردّ وقبول. المقصود من «الحرية» التي نتناولها في حديثنا هو «الحرية الاجتماعية» .. الحرية باعتبارها حقًا إنسانيًا في التفكير والتعبير والانتخاب وأمثال ذلك. هذه المقولة ذكرتها نصوص القرآن والسنة بتجليل. يقول سبحانه في الآية 157 من سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾.
فاللّه سبحانه يذكر أحد خصائص نبيّه الكريم بأنه يضع عن الناس «الإصر» و«الأغلال»، والإصر يعني الإلزامات المفروضة على الإنسان، إنه مفهوم عجيب ووسيع !! لو نظرنا إلى المجتمعات الدينية وغير الدينية في عصر الرسالة الأول لعلمنا أن الإصر يشمل كثيرًا من العقائد الباطلة والخرافية، وكثيرًا من القيود الاجتماعية الخاطئة التي فرضها الاستبداد أو التحريف أو التحميق على الناس. و«الأغلال» معناها معروف.
جورج جرداق كاتب «الإمام علي صوت العدالة الإنسانية» يقارن بين عبارتين، الأولى لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والثانية لجناب الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. رُفعت على بعض الولاة شكوى للخليفة، فغضب الخليفة وخاطب هؤلاء الولاة بعبارة شهيرة قائلاً لهم: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!». وعبارة أمير المؤمنين وردت في نهج البلاغة حيث يقول «لا تكن عبد غيرك وقد خلقك اللّه حرًّا». يقارن جورج جرداق بين العبارتين، ويذهب إلى أن عبارة أمير المؤمنين تنطوي على شيء فريد هو ضمان التنفيذ، عمر يطلب من الناس أن لا يستعبدوا الآخرين، وعليّ يضع الحريّة جزءًا من الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها: «وقد خلقك الله حرّا» ، ضمان التنفيذ قائمٌ في خلقة البشر، وسأشير إلى ارتباط الحرية بالفطرة حين أقارن بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي في هذا المجال).

من الأخطار التي تحدق بالحديث عن الحرية في عصرنا انطلاق بعض المثقفين من روح الهزيمة أمام الغرب في تناول هذا الموضوع. هذا التقليد الأعمى للغرب أوقع هذه الجماعة من مثقفي العالم الثالث في جدل وقيل وقال يسميه الإمام الخامنئي بالترف الفكري إذ يقول:
(ذكرنا أن «الحرية الاجتماعية» بمعناها الموجود في القاموس السياسي اليوم لها جذورها في القرآن الكريم. من هنا لا نحتاج إلى مراجعة الليبرالية الأوربية في القرن الثامن عشر، ونلهث وراء ما يقوله «كانت» و«جون استيوارت ميل» وآخرون. نحن لنا كلمتنا ولنا منطقنا. سوف أذكر أن أقوال الغربيين لا تجدينا نفعًا. اعتبروا مقولة «الحرية» مقولة إسلامية...
الليبرالية لها معان عديدة طبعًا. منذ أن بدأت النهضة الأوربية وانتشر الفكر الليبرالي في فرنسا وأوربا ثم في أرجاء العالم، وأدّى إلى نشوب الثورة الفرنسية، ثم استُخدم بشكله المنحرف في حروب الاستقلال الأمريكية، وظهر الميثاق الأمريكي ــ وكل هذه تحتاج إلى حديث طويل ــ وحتى الآن ظهرت عشرات التفاسير لليبرالية. وفي السنوات الأخيرة بشكل خاص المنظّرون أو الإيديولوجيون الأمريكيون يواصلون الكتابة بكثافة في هذا المجال.
وأضيف هنا أن كثيرًا من هؤلاء المفكرين ليسوا بأمريكيين، هؤلاء يكتبون بإشارة من الأجهزة الأمريكية في هذا المجال خاصة في حقل الليبرالية. ربما تؤلف كتبهم في النمسا أو ألمانيا أو فرنسا لكنها تطبع في نيويورك، الطلب أمريكي والأهداف أمريكية، وهذا أيضًا حديث ذو شجون. وأمام كل هذه التيارات الغربية تحتل النظرة الإسلامية مكانة شامخة في فهمها للحرية.
هؤلاء الغربيون يواجهون مشكلة في إعطاء مضمون فلسفي للحرية. ماهي فلسفة الحرية؟ ماهي ضرورة الحرية للبشر؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى استدلال فلسفي. قيل الكثير في هذا المجال، قيل إن جذور الحرية تمتد إلى مفهوم الفائدة، وقيل الخير الجماعي، وقيل اللذة الجماعية، واللذة الفردية، وأكثر ما قيل أنها حق من الحقوق المدنية. كل واحد من هذه التفاسير قابل للنقض ، وهم أوردوا عليها النقض أيضًا.
لو نظرتم إلى مانشر خلال السنوات الأخيرة من كتابات حول مقولة الليبرالية لعلمتم الحجم الهائل مما قيل من كلام في هذا المجال، ومعظمه مضيعة للوقت وعديم الفائدة وشبيه بجدل القرون الوسطى. هذا يدلي بدلوه، وذاك يجيب عليه، ثم يردّ هذا على الجواب، ويشكل بأجمعه ترفًا فكريًا لا بأس به لمثقفي العالم الثالث!! منهم من يؤيد هذه النظرية ومنهم من يؤيد تلك، هذا يكتب شرحًا على استدلال، وذلك يكتب حاشية على شرح، وآخر يتقمّص هذه النظرية، وينسبها لنفسه وهكذا!!
ذروة ما ذكر في هذا القيل والقال أن الحق الإنساني يشكل فلسفة الحرية ومنشأها. الإسلام قال أكثر من ذلك. قال: إن الحرية أمر فطري في الإنسان كما ورد في النص المذكور. نعم إنها حق، لكنه حق يفوق سائر الحقوق. إنها مثل حق الحياة وحق المعيشة. وكما أن حق الحياة لا يمكن أن يكون مرادفًا لحق المسكن والتصويت و... أمثالها، بل هو أساس لهذه جميعًا، كذلك الحرية، هذا هو رأي الإسلام.
طبعًا، هناك استثناءات، يمكن سلب هذا الحق في مواضع معينة، تمامًا مثل حق الحياة، فالقصاص ينزل بالقاتل والمفسد كذلك حق الحرية، غير أن هذا استثناء. هذا رأي الإسلام. من هنا فمن الخطأ أن تتصوروا أن الحرية الاجتماعية فكرة أهداها إلينا الغرب.. لا، لابد أن نكون مستقلين في فكرنا، لابد من الرجوع إلى مصادرنا ومفاهيمنا.
الإنسان يمكن أن يستفيد من فكر الآخرين ليوسّع مداركه ويدعم نظرته، لا لأن يقلّد. الانغماس في التقليد له أضرار مابعدها أضرار.
المشهود اليوم في هذا السجال الفكري والصحفي عدم التفات الكثيرين إلى هذا الأصل).

ثم يستعرض سماحته الفرق بين الحرية في المنطق الإسلامي والمنطق الغربي.