• الهزيمة.. والتخلف

تخلّف العالم الإسلامي همّ يحمله كل الرساليين.. والإحيائيون لهم أفكارهم وآراؤهم ومعالجاتهم لهذه الكارثة.
واضح أن كلّ مشاكلنا تكمن في ظاهرة التخلّف هذه. فبسبب هذه الظاهرة فقدنا استقلالنا وحريتنا وعزّتنا ومكانتنا على ظهر الارض، وأصبحنا عرضة لانتهاكات الطامعين.
والسيد القائد في حديثه أمام الجامعيين يؤكد على دور من يسمونهم "المثقفين" ويسميهم آخرون "أنصاف المثقفين" في ظاهرة التخلّف هذه.
كان يفترض أن يكون المثقفون في العالم الإسلامي حماة أمتهم من الغزو الثقافي. لكن الغزاة خططوا لأن يغزوا الأمة من مثقفيها، لكي تغصّ الأمة بالماء كما يقول الشاعر العربي:
إلى الماء يسعى من يغصّ بلقمة إلى أين يسعى من يغصّ بماء
وكما يقول الشاعر الفارسي:
كلّ ما يمكـــن أن يتعفّن يُعالــــج بالملــــــــــــــح،
والويل لذلك اليوم الذي يتعفّن فيه الملح!!
"يقول عن هؤلاء:
"اقترن استيراد البضائع الصناعية ــ التي كانت نتيجة تطور العلم والصناعة في أوروبا ــ بتبعية شاملة للغرب، أدخلوا البضائع الفكرية والثقافية إلى هذا البلد (إيران)، وأول ما فعلوه إفراغ الفئة المثقفة من الإيمان بوجودها: بثقافتها.. بعاداتها وتقاليدها.. بعلمها.. بكفاءات الجيل الإيراني وما في هذه الكفاءات من تفتّح وإشراق. وهذا الإفراغ العقائدي قد فعل فعله خلال السنوات الطويلة.
"لقد عمل الغرب لسنين على إشاعة هذه الحالة في بلدنا.. حالة الاستهانة بكل ما هو إيراني، ثم واصل عمله بتعميق روح الهزيمة في نفوس النُخَب، ثم نجح في قطف ثمار هذه الحالة، وكانت النتيجة هذا التخلّف الذي تشاهدونه في البلاد".
"مع وجود هذه الثروات الإنسانية، وهذه الثروات المادية، وهذه المكانة الجغرافية الممتازة، وذلك التاريخ الساطع العلمي والثقافي، وهذا التراث العلمي الضخم، فانّ وضعَنا اليوم متخلّف كلّ التخلّف عما ينبغي أن يكون عليه في ميدان التطور العلمي والصناعي.
حتى في مجالات التاريخ والجغرافيا والآداب بحث الآخرون أكثر مما بحثه علماؤنا، ولاتزال الكفاءات الإيرانية لم تتغلّب على مظاهر تخلّفنا".
هذه المسألة التي يشير إليها العبد الصالح لم تقتصر على بلد دون بلد في العالم الإسلامي، بل إنها ظاهرة عمّت أمتنا بعد عصر الاستعمار.
نراها في التأثر بالمستشرقين عند تناول التراث، ونشاهدنا في الهزيمة أمام تغوّل الغرب، بل يبلغ الأمر ببعضهم أن يساوم على كرامة هذه الأمة واستقلالها وهويتها.
من هنا فإن التوجّه الأول في الجمهورية الإسلامية نحو بناء جيل يؤمن بهويته ويدافع عن استقلال بلاده بالعمل العلمي الجادّ. يقول السيد القائد في ذلك اللقاء:
"مرحلتنا هذه هي المرحلة التي يجب فيها أن نهبّ ــ متوسلين بالعلم والمعرفة والبحث ــ لتجاوز مرحلة التخلّف الموروثة من عهد الاستبداد الطويل في هذه البلاد، ذلك العهد الذي حالوا فيه دون تفتح الكفاءات، وحالوا دون بروز الهوية الأصيلة والحقيقية لهذا الشعب.
"طبعا منذ انبثاق الثورة حتى الآن حدثت معجزة، وهي الإيمان بالذات. ذلك الشعور بالضعف قد ولّى، ولكن المسألة تحتاج إلى جهود".
من المحاور الهامّة التي تستطيع أن توحّد العالم الإسلامي هي تعاونه للقضاء على هذا التخلّف بحركة علميّة "منسجمة" بين الجامعات ومراكز الأبحاث ومعاهد تأهيل الكفاءات العلمية للوصول إلى قدر من الاستقلال العلمي.
الاستقلال العلمي لا يعني طبعًا الانغلاق أمام الحركة العلمية العالمية، فالعلم إنساني لا يعرف الحدود والسدود، بل الاستقلال يعني التعامل مع الحركة العلميّة بنديّة وكفاءة لا بتذلل واستجداء. يقول السيد القائد:

"الاستقلال لا يعني طبعًا أن نغلق الأبواب أمام الاستفادة من خارج حدودنا، ليس هذا معقولا، ولا يدعو أحد لذلك أبدًا، أفراد البشر كانوا على مرّ التاريخ يستفيدون من بعضهم، غير أن هناك فرقًا بين تبادل الأفكار والآراء والثروات بين موجودين متكافئين، وبين تسوّل موجود من موجود آخر واستجدائه بذلّ وتحقير كما كان موجودا بدرجة وأخرى في إيران ما قبل الثورة".

هذه مساحة هامة من مساحات تقارب العالم الإسلامي تدعو إليه إيران الإسلام بجدّ.. مساحة التأهيل والتطوير والتقدم في جميع مجالات المعارف والعلوم بما في ذلك ساحة التقنية النووية السلمية التي أصبحت ذات تأثير بالغ لا في حقل الطاقة فحسب ، بل في جميع حقول الطب والتغذية والهندسة والصناعات الدقيقة.