• أهل البيت محور وحدة المسلمين

شاء الله سبحانه وتعالى أن يضع كل الضمانات اللازمة لوحدة هذه الأمة فكرياً وعاطفياً.
ونعيد التأكيد أننا لا نقصد بالوحدة انعدام وجود الاختلاف.. فالاختلاف تفرزه طبيعة الإنسان "الحرّ" المختار" "المريد".. غير أن ضمانات الإسلام تجمع الأفراد في إطار عقلي وعملي وعاطفي تجعل من هذه الاختلافات وسيلة إثراء وعطاء وحركة على مسيرة التكامل البشري.
والضمانات التي أكد عليها رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام هي:
ـــ كتاب الله
ـــ والعترة الطاهرة..
دور القرآن في توحيد صفوف المسلمين أمرٌ لا يخفى على أحد.. وليس موضع حديثنا هنا، بل حديثنا عن دور أهل البيت..
بنظرة موضوعية واقعيّة إلى تاريخ الشعوب الإسلامية نرى بوضوح دور آل البيت عليهم السلام يتجلّى في:
ـــ صيانة الحركة العلميّة.
ـــ الحفاظ على روح العزّة
ـــ العمل على إيجاد التعادل في المجتمع وصيانته من الإفراط والتفريط.
ـــ إيقاظ الشعور وإبقاء روح التضحية والجهاد
ـــ مكافحة التمييز الطبقي والعنصري
ـــ إشاعة روح التقوى والالتزام بالدين
ـــ إشاعة الأخلاق والتعامل الإنساني
ـــ تركيز مفهوم الانفتاح على الآخر والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة...
هذه وأمثالها هي التي أسست لحركة حضارية إسلامية ازدهرت حيناً وخبى نورها اليوم ، لكنّها قائمة بالقوّة في النفوس لتُعلن عن عودتها ثانية.. وهي التي نرى آثارها فيما تشهده الساحة الإسلامية اليوم من مقاومة ونهوض واستيقاظ وصحوة.. وهذه الحياة التي تدبّ في جسد الأمة تكون راشدة وطبيعية ومتعادلة ومتوازنة بقدر ارتباطها بهذا البيت الكريم!!
ولم يكن أهل البيت يومًا ملكًا لطائفة معينة، ولا لمذهب خاص، بل إنهم أئمة كل المسلمين، بل البشرية جمعاء إن كانت ثمة معرفة واقعية بمنهجهم.
ولم يكن أئمة المذاهب الإسلامية بمعزل عن أئمة أهل البيت، فقد تتلمذوا عليهم، ونهلوا من علومهم، وأشادوا بمكارمهم.
من هنا فإن كل تحرك لإحياء ذكر آل البيت إنما هو إحياء لكل ما يحتاجه العالم الإسلامي من صحوة راشدة وعودة حضارية واستعادة للعزّة والكرامة.
بهذه النظرة السامية خاطب السيد القائد المشاركين في مؤتمر المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام إذ قال:
"محور مؤتمركم هذا ومؤتمراتكم الأخرى أيها الإخوة والأخوات المنتسبون لمجمع أهل البيت، محور عظيم جداً. إنه محور أهل بيت الرسول (عليهم الصلاة والسلام). وهو أمر صرّح القرآن الكريم بأهميته: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. وردت كذلك في الأحاديث النبوية كراراً فضائل صريحة لا تقبل النكران في حق أهل البيت. منها حديث الثقلين المعروف الذي جعل العترة إلى جانب كتاب الله: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" وهو حديث متواتر بين المسلمين. ومنها الحديث المعروف وربما المتواتر "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق" وكثير من الأحاديث الأخرى.
هذا هو العنوان الفاخر والسامق والبالغ العظمة لمحور اجتماع الحاضرين هنا. كل المسلمين يحبون أهل البيت طبعًا، باستثناء عدد قليل جدًا هم النواصب وما شاكل. فِرَقُ المسلمين كلها تودّ أهل بيت الرسول وتعترف بمكانتهم السامقة في العلم والعمل. إلاّ أن الشيعة هم "المعروفين بتصديقنا إياكم" على حد تعبير الزيارة الجامعة. إنهم معروفون بإتباع الأئمة وتصديقهم (عليهم السلام) فهم يعرفون منازلهم المعنوية ويؤمنون بمكانتهم في الأمة الإسلامية وفي خلافة الرسول. أن يكون محور هذه الاجتماعات أمراً بهذه الأهمية والعظمة فهذا ما يرفع مستوى العمل وعظمته وقيمته، ويضفي الأهمية على رسالة العمل. لماذا نجتمع حول بعضنا؟ علينا تشخيص هذا الهدف بدقة، ويجب أن نعلم ما الذي نتوخاه.
إن العالم الإسلامي اليوم بحاجة لرسالة أهل البيت. قضية أتباع أهل البيت ومجمع أهل البيت ونداء أهل البيت في المجتمعات الشيعية ليس نداءً لبث الفرقة والاختلاف. خلافاً لما يظنه بعض ضيّقي الأفق من ناحية وبعض المغرضين من ناحية أخرى ويكررونه دائماً عبر أبواقهم الإعلامية، ليست القضية قضية نفي، إنما هي قضية إثبات. في مدرسة أهل البيت حقائق وأمور يحتاجها العالم الإسلامي اليوم".
ووقف الإمام القائد على واحد من آثار أئمة أهل البيت وهو "الصحيفة السجادية" أو ما تسمى زبور آل محمد.. وبيّن ما فيها من خصائص تستطيع أن تخاطب البشرية جمعاء قال:
"لو اطلع الإنسان على الصحيفة السجادية المباركة (ومن المناسب إيلاء اهتمام أكبر بهذا الكتاب العزيز جداً بمناسبة ولادة صاحبه العظيم) لوجد فيها خلاصة وعصارة لأفكار أهل البيت (عليهم السلام). تمور في الصحيفة السجادية معاني:
الإيمان العميق
والعرفان البيّن الخالي من أي غموض.
والإقبال التام على مبدأ العظمة والمعبود والذات الإلهية المقدسة.
والاهتمام بشؤون الناس والمسلمين.. وهي ـ أمور تهمّ كل من له صلة بالإنسانية والاهتمام بالمفاخر الإسلامية ومكتسبات صدر الإسلام.
إنه كتاب حياة عرفانية وعقلانية وإلهيّة. إنه مجموعة من كل هذه العناصر.
وهناك أيضاً بحر روايات أهل البيت (عليهم السلام) الموّاج من جهة أخرى. هذه هي الأمور التي يحتاجها العالم الإسلامي اليوم".
وركز السيد الخامنئي على نقطة هامة جداً وحساسة للغاية يجب أن ينتبه إليها المسلمون سنّة وشيعة.
أهل البيت محور وحدة.. محور انسجام في حركة حضارية إسلامية وإقامة مجتمع العدل والتطوّر والتقدّم والتقوى والفضيلة. لكنّ مخلّفات عصور الانحطاط جعلت من هذه العروة الوثقى الجامعة وسيلة نزاع كلامي، وعامل إقامة حواجز وأسوار بين المسلمين. ومن هنا أكد حفظه الله على أنّ إحياء مدرسة أهل البيت يعنى الانفتاح على آفاق رحبة واسعة تجمع المسلمين وتدفع بهم إلى تجاوز الأطر الضيقة والمثل الهابطة. قال:
"إذا كنا نجتمع حول محور الإسلام المبارك لأهل البيت فليس ذلك لأجل أن نقيم سوراً حول أنفسنا يفصلنا عن باقي المسلمين. بل على العكس، من أجل أن نفتح آفاقاً جديدة أمام أنظار المفكرين الإسلاميين. نريد أن نفتح نوافذ جديدة ليروا من خلالها حقائق جديدة. هذه هي رسالتنا ومسؤوليتنا.
بالدرجة الأولى، على أتباع أهل البيت أنفسهم الاعتراف بهذه الهوية السامية. عليهم أن يعرفوا قدر هذه الجوهرة الثمينة التي في أيديهم حتى يستطيعوا بعد ذلك عرضها على الآخرين، وتتوفر لديهم الجرأة على تقديمها في سوق الأمتعة المختلفة وعرضها أمام أنظار الناس".