• حول مولد الرسول الأعظم(ص)

بسم الله الرحمن الرحيم
أبارك مولد النبي الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله لكل الأمة الإسلامية الكبرى، ولكل أحرار العالم، وللشعب الإيراني المؤمن الشريف، ولكم أيها الحضّار المحترمين الأعزاء في هذا المجلس خاصة الضيوف الذين شرّفونا من البلدان الأخرى.
هذا اليوم الكبير الذي هو يوم ميلاد النبي الأكرم وميلاد الإمام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام إنّما يشكل بداية مرحلة عظيمة من تاريخ البشرية.
في مثل هذا اليوم منّ الله سبحانه وتعالى على ساحة الوجود بأكبر ذخيرة إلهية متمثلة بوجود النبي الكريم.
كانت هذه الولادة بداية مرحلة حاسمة في مصير البشرية. في آيات ولادته المباركة قيل إن شرفات قصر كسرى قد انهدمت، ونيران «آذرگشسب» بعد قرون من الاشتعال قد خمدت، وبحيرة ساوة التي كان ينظر إليها بعض الناس بعين التقديس قد جفّت، والأصنام التي كانت معلّقة حول الكعبة قد سقطت. وهذه العلامات لها دلالات رمزية، تدلّ على اتجاه إرادة الله وسننه في إلباس خلعة الوجود لهذا الموجود العظيم والشخصية الفريدة الكبرى.
هذه الحوادث الرمزية تعني أن هذه الولادة المباركة يجب أن تكون نهاية إذلال الإنسان سواء على يد حاكمية الجبابرة والحكام المستبدين، كالذي كان قائمًا آنئذ في إيران وروما، أو بسبب عبادة غير الله.
الإنسان يجب أن يتحرر على يد هذا المولود المبارك.. يتحرر من الحكّام الظالمين المتحكّمين في رقاب المظلومين على مرّ التاريخ، ومن أغلال الخرافات والمعتقدات المنحرفة المذلّة التي تدفع بالإنسان إلى الخضوع والذلة والطاعة لموجودات هابطة أو
لإنسان آخر.
إلى هذا تشير الآية الكريمة:  هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (الفتح/18).. وعبارة  لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ لم تتقيد بزمان، فهي تشير إلى الجهة. البشر بهذه الحادثة يجب أن يتحرك في اتجاه الحرية المعنوية والاجتماعية الحقيقية والعقلانية. هذا عمل قد بدأ، واستمراره بيدنا نحن البشر. وهذه سنّة أخرى في عالم الخليقة.
لو أن البشر صعّدوا من سعيهم وهمّتهم فسيصلون إلى الأهداف الإلهية المرسومة في المنهج الرباني أسرع. أما إذا لم يفعلوا ذلك ووهنوا على هذا الطريق فإنهم سوف يبقون فيه سنوات طويلة كتيه بني إسرائيل:  أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ (المائدة/26).
بنو إسرائيل هم ألقوا بأنفسهم في التيه والضلال في الأرض. كان بإمكانهم أن يحولوا دون سقوطهم في تلك المحنة والمرارة، وكان بإمكانهم تقصير المدّة، كما كان بإمكانهم بسبب ضعفهم أن يطيلوا المدّة. مصيرنا أيضا كذلك. المسلمون أيضًا قد تبيّن لهم اتجاه خلق البشر، وفلسفة إعزام الرسل وإنزال الكتب السماوية. البشر أنفسهم هم القادرون على إطالة هذا الطريق او تقصيره. يستطيعون أن يصلوا هدفهم أسرع أو أبطأ.
في السنن الإلهية إرادة الإنسان هي صاحبة القرار. حين يدعو الإسلام إلى الجهاد:  وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (البقرة/218) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (الحج/ 78) فإنما يدعونا إلى بذل كل ما وسعنا من جهد للوصول أسرع إلى الهدف الإلهي. فالهدف الإلهي ثابت وقطعي. إن لم نعمل على تحقيقه فسيأتي آخرون ليعملوا به:  مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (المائدة/ 54).
لقد جعل الله سبحانه هذا الطريق وهذا الهدف وهذا المصير من الأمور الحتمية القطعيّة. ولكنّ غير القطعي هو عبارة عن زمن الوصول، وهو الناس الذين سيحققون هذا الهدف الكبير. هذا يرتبط بإرادتي وإرادتك.
الشعب الإيراني بقيادة الإمام الكبير استطاعوا بهمّتهم أن يقطعوا خطوة على الطريق وأن يرفعوا هنا راية الإسلام. راية الشريعة المحمدية صلى الله عليه وآله مرفوعة اليوم في هذا البلد. كان من الممكن أن لا يحدث ما حدث أو أن يحدث بعد عشر سنوات أو مائة سنة.
غير أن الذي حقّق هذه المهمّة الكبرى في هذه الفترة الزمنية بالذات هو إرادة هذا الشعب وعزمه على التضحية وبذل الجهد. وهذه السنة جارية وسارية في كل مكان.
القضية الفلسطينية تشكل اليوم جرحًا نازفًا عميقًا في جسد المجتمع الإسلامي. الآية التي تُليت (في بداية هذه الجلسة) تقول عن النبي الأعظم:  عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (البقرة/23) واليوم فإن ما يعاني منه المسلمون من عَنَت وألم، وأبرزه مسألة فلسطين، يعتصر قلب النبي:  عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ. ما يعاني منه الشعب الفلسطيني اليوم يملأ روح النبي المقدسة في العوالم العلوية لعالم الخليقة بالهموم. ما هو العلاج؟ السعي والمجاهدة.
مسألة فلسطين هي اليوم مسألة دنيا الإسلام.
نحن المسلمين في البلاد الإسلامية، علمنا أم لم نعلم، فهمنا أم لم نفهم، يرسم مصير فلسطين مصيرنا جميعًا. لو أن شعب فلسطين في هذه المواجهة الشجاعة التي ينهض بها قد حقق النصر فإنه انتصار لكل دنيا الإسلام، ولكن كلما استمرت معاناة هذا الشعب فإن ذلك سيعود بالذلّة على العالم الإسلامي. المسلمون يجب أن يفهموا تمامًا بأن هذه المسألة هي مسألتهم.
صحيح أننا جميعًا نتحمّل أمام هذه القضية مسؤولية شرعية أوجبها الإسلام تقضي بدعم الشعب الفلسطيني . لكن كلامي اليوم يتجاوز إطار المسؤولية الشرعية. أقول: إن كل ما يحدث اليوم في فلسطين، وكل مصير ينتظر هذه القضية، فإنها تؤثر مباشرة على مصير البلدان الإسلامية سواء منها القريبة أو البعيدة، ولذلك فإن كل ما تقدّمه الشعوب الإسلامية اليوم لفلسطين فإنها تعمل لنفسها ولمصالحها.
حين عمد الاستعمار البريطاني بدعم من عالم الاستكبار إلى فصل هذا الجزء الدامي من جسد العالم الإسلامي لم يكن الهدف فتح هذا الجزء فحسب، بل كان هدف المستعمرين السيطرة على كل المنطقة التي تشكل قلب العالم الإسلامي. من هنا فإن المسؤولية ملقاة علينا جميعًا.
الشعب الفلسطيني طبعًا قد نهض بواجبه نهوضًا يليق به كشعب شجاع غيور صامد. وينبغي أن نعلم جميعًا بأن هذا الكيان الغاصب الظالم الصهيوني قد مُني حتى الآن بالفشل الذريع في عملياته، ولم يحقّق أيَّ نجاح، وهُزم أمام إرادة الفلسطينيين. إذ كان هدف هذه العمليات إطفاء شعلة انتفاضة الأقصى، وفرض حالة الاستسلام على الفلسطينيين، والقضاء على روح التحرر والغيرة لدى الشعب الفلسطيني. لكن الذي حصل كان على عكس ما أرادوا. فما نراه اليوم لدى الشعب الفلسطيني من عزم وإرادة ووعي يفوق ما كان عليه قبل الانتفاضة. لقد تكشّف أمام الشعب الفلسطيني ما يحمله هذا الكيان الغاصب وشريكه أمريكا تجاه الشعب الفلسطيني من عمق العداء والخبث والوحشية.
حين يصل الأمر بشعب درجة يرى معها أنْ لا سبيل له إلاّ التضحية الشجاعة بالنفس فلا يستطيع عندئذ أن يقف بوجهه أي شيء، لا قوة الصهاينة المتمثلة بالدبابة والمدفع وأمثالها من الأسلحة الظاهرية، ولا القوة السياسية والاقتصادية التي تساندها المتمثلة بأمريكا.
لقد انتهى عهد استدراج الفلسطينيين لكي يجلسوا حول طاولة المحادثات وليحصلوا على ما يسمى «امتيازات».
لقد اتضح عدم جدوى الجلوس خلف طاولة المحادثات والتفاوض مع العدو. لقد فهم الشعب الفلسطيني ذلك، ورسم طريقه، لقد دخل الساحة رجال فلسطين ونساؤها، والأمهات الفلسطينيات والشباب الفلسطيني والأطفال الفلسطينيون.
المهم في الأمر أن ينهض العالم الإسلامي بمسؤوليته.. العالم الإسلامي بحكوماته وشعوبه.
قد تكون للحكومات محاذير، لكن الشعوب ليس لها هذه المحاذير..العلماء والمثقفون والسياسيون وأصحاب التأثير على الرأي العام ليس لهم هذه المحاذير. عليهم أن يُقدموا، وإقدامهم هذا سيساعد حكوماتهم.
لو ان الشعوب المسلمة، وخاصة الشعوب العربية، كشفت عن عزمها وإرادتها لدعم الشعب الفلسطيني بشكل واضح مستمر فإن ذلك سيعود بالنفع على حكوماتهم أيضا، لأن الحكومات عندئذ تستطيع في المجال الدبلوماسي أن تستفيد من ذلك للضغط على العدوّ.
إمامنا العظيم، قد فهم هذه الحقيقة كلّ الفهم. منذ بداية نهضته سنة 1341هجرية شمسية (1962م) أي قبل أربعين عامًا حين لم تكن القضية الفلسطينية في الأذهان قضية ملحّة حتى بين النخبة، كانت كلمة الإمام هي أن الجميع يجب أن يستشعروا الخطر مقابل هيمنة إسرائيل. على الجميع أن يستعدوا للمقاومة. وبعد ذلك واصل هذا الطريق. وكان ذلك واحدًا من الشعارات الكبرى لذلك الرجل السامي الإلهي.
أسال الله سبحانه أن يمنّ على الشعوب الإسلامية باليقظة، وأن يوفقنا لأن نعرف ما علينا من مسؤولية ونؤدي هذه المسؤولية. أسأله سبحانه أن يؤلّف بين قلوب المسلمين وأن يزيل بينهم عوامل الفرقة ويزيد عناصر الوحدة والألفة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته