• عطاء يوم الغدير

● حادثة الغدير لم تُرو عن طرق الشيعة فقط، بل إن كبار رجال الحديث من أهل السنّة رووا هذه الحادثة أيضًا، غير أن قراءة هذه الحادثة تختلف أحيانًا، لكن أصل الحادثة من المسلَّمات بين جميع المسلمين.
● هذه الحادثة لها دلالتها على أهمية مفردات الحكومة والسياسة وولاية الأمر في الرؤية الإسلامية. ما كان يؤكد عليه الإمام الراحل الخميني، وقبله كثير من كبار الفقهاء مِنْ وحدة الدين والسياسة، ومِنْ أهمية إقامة الحكومة الدينية يستند إلى دلالات الغدير. وعلى المسلمين سنة وشيعة على مرّ التاريخ – إنطلاقًا من حادثة الغدير – أن يستنّوا بسنّة رسول الله في الاهتمام بمسألة الحكم والحاكمية في الإطار الإسلامي. لا يجوز أن نكون لا مبالين بهذه المسألة الهامة. دور الحكومات في هداية الشعوب أو في إضلالها أمر ثابت في التجربة البشرية.
●المسألة الأخرى في واقعة الغدير أن الرسول(ص) عرّف أمير المؤمنين عليًا (ع) لولاية أمر المسلمين. فما هي الخصائص التي عرف بها أمير المؤمنين في حياة الرسول وبعد وفاته. هذه الخصائص يمكن أن تكون لنا معيارًا.
أمير المؤمنين كان يعيش لله وفي سبيل الله منذ طفولته حتى شهادته دون أن يتراجع عن ذلك قيد أنملة. جندّ كل وجوده على طريق الله. حين كان الأمر يتطلب الدعوة كان داعية، وحين كان يتطلب حملَ السيف بين يدي رسول الله حَمَله دون أن يخشى من الموت وكان محاربًا، وحين تطلب الأمر أن يصبر كان صابرًا، وحين لزم الأمر أن يتولى زمام الحكم دخل ساحة السياسة. في مختلف الظروف كان يضرب المثل الأعلى في التضحية. مثل هذا الرجل جعله رسول الله على رأس المجتمع الإسلامي. هذا درس كبير لأمتنا الإسلامية، ليست هذه إذن حادثة من الحوادث المتراكمة في ذاكرة التاريخ، بل هي درس للمعيار الذي يجب أن تقوم عليه إدارة المجتمع الإسلامي: الارتباط المطلق بالله، والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، وعدم التراجع أمام الشدائد والصعاب، والإعراض عن متاع الدنيا.
انظروا إلى هذه القمة ثم القوا نظرة على واقع حكام العالم اليوم. وانظروا إلى الهوة العميقة التي تفصل بين تلك القمة وهذا الواقع.
المعايير التي يقدمها الغدير للحاكم الصالح ليست درسًا لبلادنا بل لكل العالم الإسلامي، بل هي المعايير التي تستطيع إنقاذ المجتمعات البشرية التي تعاني من أهواء الساسة ومن الصراع على مصالحهم التافهة.
● من المهم في حادثة الغدير بالنسبة لوضعنا المعاصر أن لا تتحول إلى ذريعة نزاع. علينا أن نفهم بدقّة ما يدبّره العدوّ للتفريق بين المسلمين تحت لافتات مختلفة من ذلك السنّة والشيعة. العدوّ هو عدوّ الإسلام.. عدوّ القرآن.. عدوّ المشتركات.. عدوّ التوحيد.. لا عدوّ هذه الطائفة أو تلك. لقد أكدت ذلك مرارًا. وقلت: إن العدوّ يعلم كم يضرّ اتحاد العالم الإسلامي بعمليات نهبه وسلبه وتسلطه.
لقد رأى العدوّ أن الثورة الإسلامية – حين انتصرت – استبشرت بها قلوب كل المسلمين في جميع البلدان الإسلامية بمختلف مذاهبهم.. لذلك راح يبذل جهوده لمواجهة هذه الظاهرة.
واليوم نرى أن الاستكبار العالمي قد كرّس جانبًا من جهوده لاستمالة قادة بعض البلدان العربية ليسايروا سياسته وليجعلهم في مواجهة الشعب الإيراني في المسائل المختلفة النووية وغير النووية. يدعوهم إلى الإعلان عن السهم الذين يتحملونه في مواجهة إيران!!
قد يستطيع الاستكبار - على أكثر تقدير - أن يضغط على بعض الأنظمة العربية، لكنه لا يستطيع أن يفصل بين قلوب الشعوب وبين الجمهورية الإسلامية. حتى تلك الأنظمة ليست على استعداد أن تضع نفسها كليّة تحت تصرف الصهاينة والاستكبار في هذه القضية بسبب بعض المعادلات التي يجب أن تراعيها.
غير أن الذي يستطيع أن يفصل القلوب عن الجمهورية الإسلامية هو إثارة الاختلافات والعصبيات المذهبية.
هذا الذي يجب أن نحذر منه ونحذّر منه، وأن نكون على وعي تام في تعاملنا معه.
أن تصدر بين الشيعة كتابات تسيء إلى أهل السنة، أو بين السنّة كتابات تسيء إلى الشيعة، فإنّه لا يجعل السنيّ شيعيًا، ولا الشيعي سنيًا.. ولا يؤدي إلاّ إلى البغضاء والعداوة والتمزّق وهو ما تريده أمريكا ويريده الصهاينة.
انظروا هذا الذي تبثّه بعض القنوات الفضائية من بلدان غربيّة.. وبالذات من بلد له عداء عريق وجذري مع العالم الإسلامي. يأتون بشيعي وسنّي ليتحاورا!!
ويوجهون الحوار نحو إثارة المشاعر الطائفية وتأجيج الخلافات التاريخية.
● عندنا اليوم معلومات موثقة، وكانت لدينا هذه المعلومات من قبل أن أمولاً تنفق ليكتب هذا الفريق كتابًا يسبّ ويشتم ويتهم ذاك الفريق.. وليكتب ذاك الفريق كتابًا يسبّ ويشتم ويتهم هذا الفريق.. والإنفاق على الكتابين من مصدر واحد. أليس في ذلك ما ينبهنا على الخطر!!
● لا يخالنّ أحدٌ أن الدفاع عن الشيعة يمكن أن يتحقّق بإثارة الخصومات الطائفية.. هذا ليس دفاعًا عن الشيعة.. ليس دفاعًا عن الولاية.. لو أردتم باطن هذا الأمر فإنه دفاع عن أمريكا.. دفاع عن الصهيونية. لا مانع من البحث العلمي والاستدلال المنطقي والحوار المتعقل بين المذاهب.. علماؤنا لهم باع طويل في هذا المجال في إطار الفروع والأصول. لكن هذا غير الإهانة والإساءة وإثارة العداء. هذا الذي يجب أن نحذر منه.