• من نداءات الحج

وجّه الإمام السيد علي الخامنئي كلمة إلى جميع المسؤولين عن أمور الحج من موظفين مرشدين دينيين وخدمة الحجاج هذانصّها:
فرصة الحج
الحج فرصة عظيمة وفرها الله سبحانه للأمة الإسلامية ولكل فرد مسلم، كما أنه فرصة لنظام الجمهورية الإسلامية الذي يرفع راية حاكمية الإسلام والشريعة الإسلامية.

فرصة للفرد المسلم
إنه فرصة للفرد المسلم لأن يخلع نفسه من الحياة الاعتيادية بكل ما يحيطها من إشكاليات ولوثات ليدخل في جوّ معنوي سام رفيع مفعم بالصفاء والرياضة التطوعية والقرب إلى الله.
منذ اللحظة الاولى لدخول المناسك يُحرم على الإنسان ما كان يحلّ له في حياته الاعتيادية، وما كان بعضه يبعث على الغفلة وبعضه يدفع إلى الانحطاط. يبتعد الحاج عن كل مظاهر التفاخر الظاهرية والمادية، وأولها الملبس. يزول التمييز في الملبس والزهو بالفاخر منه، ويستوي جميع الحجيج في ملابس إحرامهم. وهكذا كل محظورات الإحرام: استعمال الطيب باعتباره وسيلة للبروز، وعدم الاستظلال، ومنع الممارسة الجنسيّة وما يثير الشهوة. في مدة الإحرام ينسلخ الحاج من كل مظاهر التفاخر والتمييز.
ثم يدخل الحاج فضاء المسجد الحرام، والبيت العتيق بكل ما فيهما من عظمة وهيبة ووقار، رغم خلوهما من مظاهر الفخفخة والزينة المادية.
بعدها ينخرط الحاج في جموع الطائفين حول محور مركزي، وينشغل بالذكر والدعاء والخشوع والحديث مع ربّ العالمين، ويسعى بعدها بين الصفا والمروة، ويقف في المشاعر وببيت في منى، وهو في كل ذلك يقوم بعبادة جماعية متجهة إلى ربّ السماوات والأرض.

رفاه الحجاج
لقد أشار الإخوة أنني وجهت المسؤولين إلى توفير الرفاه للحجيج، نعم، فعلت ذلك، ولكن ذلك لا يعني الخلود إلى البطر والراحة. لقد أكدت للمسؤولين عن الحج دائمًا بأن عليهم توفير الرفاه للحجاج كي يكون همّهم منحصرًا في الانقطاع إلى الله سبحانه، أن لا يفكروا بشيء سوى أداء المناسك بأفضل وجه. لست أقصد من توجيهاتي توفير رفاه الأكل والشرب والنوم، الحج ليس سفرًا ترفيهيًا، إنه سفر معنوي، سفر إلى الله بالجسم والروح معًا. السفر إلى الله عند أهل السلوك سفر قلبي وروحي.

الحج وقسوة القلب!
أولئك الذين وُفقوا لأداء مناسك الحج مرارًا، عليهم أن يحذروا من الوقوع في حالة هبوط معنوي تجاه فريضة الحج، التكرار قد يؤدي إلى أن تصبح فريضة الحج غير ذات أهميّة، وأن يكون الحاج غير قادر على استشعار التغيير الداخلي لدى أدائه هذه الفريضة!
رضوان الله تعالى على الشيخ محمد بهاري، فقد كان يذكر في كتاباته أن تكرار الذكر والدعاء والصلاة دون حضور القلب يؤدي إلى قسوة القلب!! الحج كذلك، هذه الفريضة يجب أداؤها في الأيام المعلومات بحضور قلب. إنها مدرسة يمرّ بها الإنسان ليفهم أن الحياة يمكن أن يجتازها بهذه الصورة، دونما تفاخر وتكاثر، ودونما انغماس في اللذات المادية.
طبعا هذا لا يعني أن يكون الإنسان مُحرمًا طول حياته، لا بدّ أن يستفيد مما رزقه الله من الحلال، لكنه ينبغي أن لا ينشدّ بهذه اللذات المادية والأهواء العابرة وكأنها هي هدف الحياة!
الإنسان بحاجة إلى أن يخرج من هذه الحياة الرتيبة ساعات لينقطع فيها إلى الله. والحج يمرّن الإنسان على هذا الخروج ويعمّق في نفسه هذه الحاجة الروحية.
وإنها لفرصة عظيمة أن يعي كل من يقصد تلك الديار المقدسة هذه المعاني العظيمة، ويبثّ هذا الوعي بين الآمّين إلى بيت الله من كل فج عميق... وهذه هي الفرصة الأولى للحج.

فرصة الأمة الإسلامية
الفرصة الثانية للأمة الإسلامية. فالأمة الإسلامية تنتمي إلى قوميات وأعراق مختلفة، ولها عادات وتقاليد متنوعة، وهذا الاختلاف والتنوع ينبغي أن لا يكون عامل تفريق بين أبناء الأمة، يجب أن لا يتحول إلى ثغرة ينفذ منها الأعداء لتمزيق صفوف المسلمين.
والحج يوفر سنويًا للملايين من المسلمين فرصة الاستجابة لنداء ربّ العالمين حيث يقول: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾.

الحج ساحة وحدة
المسلمون لهم مذاهب سنية وشيعية، وأهل السنّة لهم مذاهبهم المختلفة والشيعة كذلك، وثمة مذاهب كلامية وفقهية بينها اختلاف في وجهات النظر، لكن الحج يجمعهم على ساحته ويقربهم ويوثق صلاتهم.
وهنا أوجّه خطابي إلى الجميع أن تكون ساحة الحج فرصة تآلف القلوب ورصّ الصفوف، وأن لا تعمد فئة إلى إثارة الحزازات الطائفية على هذه الساحة المقدسة التي شاء الله أن يؤدي فيها المسلمون عبادة (جماعية) تجعل منهم كالبنيان المرصوص.
لا أوجه كلامي فقط إلى السلفيين المتعصبين الذين يقفون في المدينة ليوجهوا الإهانات إلى مقدساتكم. بل أوجهه لكم أيضًا. إحذروا من كل عمل يفرّق بين المسلمين. لا أريد هنا أن أعدّد الأعمال التي تؤدي إلى التفرقة، أترك ذلك لكم، لكي تفكروا في الممارسات التي تؤدي إلى كراهية السني في قلب الشيعي، وكراهية الشيعي في قلب السني، واسعوا إلى تركها والابتعاد عنها تمامًا. الحج وسيلة التئام، وساحة وحدة، وفرصة توحيد القلوب والنوايا والمقاصد في عالم الإسلام. لا يجوز أن يظهر فيه ما يؤدي إلى إثارة الضغائن والاحقاد. هذه مسألة هامة وجادّة، وتحتاج معرفة مصاديقها إلى فهم ووعي وذكاء.

فرصة الجمهورية الإسلامية
الفرصة الثالثة التي يوفرها الحج هي إزالة الأوهام والشكوك بين المسلمين، وخاصة ما تتعرض له الجمهورية الإسلامية من هجوم إعلامي شرس منذ ولادتها حتى اليوم.
لقد ذكرت مرارًا أن دولة الإسلام في إيران مع كل ما تتحلّى به من قدرة وقوّة وعظمة فهي مظلومة.
مظلومة بسبب سيول التهم والتشكيك الذي يكيله أعداء الجمهورية الإسلامية لمنع انتشار حقائقها بين المسلمين...
ثلاثون سنة وهم يبثون أنواع الشائعات المغرضة المسيئة بشأن ما تحمله الجمهورية الإسلامية من فكر وما تقوم به من عمل. واجبكم في الحج أن تبيّنوا الحقيقة للمسلمين.

نظامنا رسالي لا طائفي
أكثرية المواطنين في إيران شيعة، لكن نظامنا يحتضن الشيعة والسنة معًا. والدليل على ذلك موقف الملايين من أهل السنّة إلى جانبنا في الثورة الإسلامية وبعد انتصار الثورة وفي الحرب المفروضة علينا، بل إن منهم من استشهد دفاعًا عن الجمهورية الإسلامية.
في البلدان الإسلامية الآسيوية منها والافريقية وفي سائر بقاع العالم بل في داخل أكثر البلدان عداءً لنا أعني أمريكا يوجد مسلمون ليسوا من الشيعة لكن قلوبهم طافحة بحب الجمهورية الإسلامية وحبّ الإمام الراحل وحبّ هذا الشعب الناهض المقاوم.
جمهوريتنا إسلامية، لكن المحرّفين يعمدون إلى أن يضفوا عليها صفة العداء للمذاهب الإسلامية.
قولوا للمسلمين رجالاً ونساء أن الجمهورية الإسلامية لهم جميعًا، ما حدث هنا إنما هو تحقيق لآمال كل مسلم. أي مسلم في الدنيا لا يتطلع إلى حاكمية القرآن؟! هنا تحققت حاكمية القرآن وحاكمية الشريعة الإسلامية بفضل الله وقوته.
مَن مِن المسلمين اليوم غير مستاء من سيطرة الأجانب على البلدان الإسلامية؟ إنهم يعيشون مرارة هذا التسلط بأعماقهم، لكنهم لا يستطيعون أن يعبّروا عن هذا الاستياء وعن هذه المرارة، لا يسمحون لهم بذلك. والجمهورية الإسلامية هي المنبر الكبير العظيم العالمي الحرّ الذي يعبّر عمّا في قلوبهم، وما يجول في حناجرهم من صوت مخنوق، وما يموج في صدورهم من عواطف مكبوتة. وكل عداء أمريكا والمستكبرين لنا يعود إلى هذه الخصوصية في الجمهورية الإسلامية. نحن نعبّر عمّا في قلوب المسلمين. لا تنظروا إلى الأمة الإسلامية من زاوية بعض الحكومات الفاسدة المسيطرة على مقدراتهم. قلوب هذه الأمة دامية من نفوذ أمريكا وتدخل أمريكا وتكبر أمريكا وسائر المستكبرين، غير أن الذي يعبّر عن ذلك بكل صراحة واقتدار هو الجمهورية الإسلامية على اختلاف مستوى المسؤولين.
هذه حقائق جميلة يجب أن توضّحوها لأبناء أمتنا الإسلامية.